وَإِنَّمَا قِيلَ: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}
وَالْأَمَانِيُّ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}
وَالظَّنُّ مِنَ الْعِلْمِ بِمَعْزِلٍ، وَكَمَا قَالَ: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ قَيْسٍ عِتَابٌ ... غَيْرَ طَعْنِ الْكُلَى وَضَرْبِ الرِّقَابِ
وَكَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ:
[البحر الطويل]
حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ... وَلَا عِلْمَ إِلَّا حُسْنَ ظَنٍّ بِغَائِبِ
فِي نَظَائِرَ لِمَا ذَكَرْنَا يَطُولُ بِإِحْصَائِهَا الْكِتَابُ. وَيَخْرُجُ بِإِلَّا مَا بَعْدَهَا مِنْ مَعْنَى مَا قَبْلَهَا، وَمِنْ صِفَتِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ شَكْلِ الْآخَرِ وَمِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ، وَيُسَمِّي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا لِانْقِطَاعِ الْكَلَامِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدُ إِلَّا عَنْ مَعْنَى مَا قَبْلَهَا.
وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَسُنَ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ مَكَانَ إِلَّا لَكِنْ، فَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ انْقِطَاعُ مَعْنَى الثَّانِي عَنْ مَعْنَى الْأَوَّلِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتُ: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}
ثُمَّ أَرَدْتَ وَضْعَ لَكِنْ مَكَانَ إِلَّا وَحَذْفَ إِلَّا، وَجَدْتَ الْكَلَامَ صَحِيحًا مَعْنَاهُ صِحَّتُهُ وَفِيهِ إِلَّا؟ وَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ}
لَكِنْ أَمَانِيَّ، يَعْنِي لَكِنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}
لَكِنِ اتِّبَاعَ الظَّنِّ، بِمَعْنَى: لَكِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَا وَصَفْنَا.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ: (إِلَّا أَمَانِيَ) مُخَفَّفَةً، وَمَنْ خَفَّفَ ذَلِكَ وَجَّهَهُ إِلَى نَحْوِ جَمْعِهِمُ الْمِفْتَاحَ مَفَاتِحَ، وَالْقُرْقُورُ قَرَاقِرٌ، وَإِنَّ يَاءَ الْجَمْعِ لَمَّا حُذِفَتْ خُفِّفَتِ الْيَاءُ الْأَصْلِيَّةُ، أَعْنِي مِنَ الْأَمَانِيِّ، كَمَا جَمَعُوا الْأُثْفِيَّةَ أَثَافِي مُخَفَّفَةً، كَمَا قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى:
[البحر الطويل]
أَثَافِيَّ سُفْعًا فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلِ ... وَنُؤْيًا كَجِذْمِ الْحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّمِ
وَأَمَّا مَنْ ثَقَّلَ: {أَمَانِيَّ}
فَشَدَّدَ يَاءَهَا فَإِنَّهُ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى نَحْوِ جَمْعِهِمُ الْمِفْتَاحَ مَفَاتِيحَ،
وَالْقُرْقُورَ قَرَاقِيرَ، وَالزُّنْبُورَ زَنَابِيرَ، فَاجْتَمَعَتْ يَاءُ فَعَالِيلَ وَلَامُهَا وَهُمَا جَمِيعًا يَاءَانِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَصَارَتَا يَاءً وَاحِدَةً مُشَدَّدَةً.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عِنْدِي لِقَارِئٍ فِي ذَلِكَ فَتَشْدِيدُ يَاءِ الْأَمَانِيِّ، لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى أَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي مَضَى عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا السَّلَفُ مُسْتَفِيضٌ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ، وَشُذُوذُ الْقَارِئِ بِتَخْفِيفِهَا عَمَّا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ فِي ذَلِكَ وَكَفَى خَطَأً عَلَى قَارِئِ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِهَا إِجْمَاعًا عَلَى تَخْطِئَتِهِ.