ولقد انتصب جمّ غفير وجمع كثير - كما قال نظام الدين النيسابوري - من الصحابة والتابعين ثم من العلماء الراسخين والفضلاء المحققين والأئمة المتقنين في كل عصر وحين، للخوض في تيار بحاره والكشف عن أستار أسراره والفحص عن غرائبه والاطلاع على رغائبه نقلا وعقلا وأخذا واجتهادا، فتباينت مطامح همّاتهم، وتباعدت مواقع نياتهم، وتشعبت مسالك أقدامهم وتفنّنت مقاطر أقلامهم فمن بين وجيز وأوجز ومطنب وملغز، ومن مقتصر على حل الألفاظ، ومن ملاحظ مع ذلك حظ المعاني والبيان ونعم اللحاظ، فشكر الله تعالى مساعيهم وصان عن إزراء القادح معاليهم.
ومنهم من أعرض عن التفسير وأقبل على التأويل، وهو عندي ركون إلى الأضاليل وسكون على شفا جرف الأباطيل إلا من عصمه الله وإنه لقليل، ومنهم من مرج البحرين وجمع بين الأمرين. فللراغب الطالب أن يأخذ العذب الفرات ويترك الملح الأجاج، ويلقط الدرّ الثمين ويسقط السبج والزجاج. اهـ
وقال ابن جزي:
اطلعت على ما صنف العلماء رضي الله عنهم في تفسير القرآن من التصانيف المختلفة الأوصاف، المتباينة الأصناف، فمنهم من آثر الاختصار، ومنهم من طوّل حتى كثّر الأسفار، ومنهم من تكلم في بعض فنون العلم دون بعض، ومنهم من اعتمد على نقل أقوال الناس، ومنهم من عوّل على النظر والتحقيق والتدقيق، وكل أحد سلك طريقا نحاه، وذهب مذهبا ارتضاه، (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) . اهـ
ولقد كان الإمام العالم العلامة المحقق، والحبر الفهامة المدقق، فريدُ دهره، ووحيدُ عصره محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطَّبَرِيّ - رحمه الله - واحدا من هؤلاء الجهابذة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة كتاب ربهم فأبقى الله في العالمين ذكرهم، وأعلى قدرهم، فكانوا أئمة للهدي ومصابيح للدجى - جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء وأوفاه -
وكان تفسيره - رحمه الله - من أحسن وأجمع التفاسير لما فيه من مزايا عز نظيرها، وجل خطرها، من أهمها جمعه بين الرواية والدراية، فقد اتخذ منهجا قويما، وطريقا مستقيما حيث فسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وهذا أعلاها وأحلاها، ثم بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44) .
ثم بأقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك حيث إنهم حضروا التنزيل، وشاهدوا من القرائن والأحوال ما لم يعلمه غيرهم، ثم بأقوال التابعين الذين تعلموا على الصحابة وأخذوا عنهم، ثم بالاعتماد على دلائل اللغة العربية.
أما تفسير القرآن بالقرآن، أو بما ثبت من السنة الصحيحة - كما يرى الدكتور/ محمد حسين الذهبي - رحمه الله - فذلك مما لا خلاف في قبوله؛ لأنه لا يتطرق إليه الضعف، ولا يجد الشك إليه سبيلا.
وأما ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف في سنده أو متنه فذلك مردود غير مقبول، ما دام لم تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما تفسير القرآن بما يروى عن الصحابة أو التابعين، فقد تسرب إليه الخلل، وتطرق إليه الضعف، إلى حد كاد يفقدنا الثقة بكل ما روي من ذلك، لولا أن قيض الله لهذا التراث العظيم من أزاح عنه هذه الشكوك، فسلمت لنا منه كمية لا يستهان بها، وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطا في كثير من الكتب التي عني أصحابها بجمع شتات الأقوال.
ولقد كانت كثرة المروي من ذلك كثرة جاوزت الحد - وبخاصة عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما- أكبر عامل في صرف همة العلماء ولفت أنظارهم إلى البحث والتمحيص. والنقد والتعديل والتجريح، حتى لقد نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث» .
وهذا العدد الذي ذكره الشافعي، لا يكاد يذكر بجوار ما روي عن ابن عباس من التفسير. وهذا يدل على مبلغ ما دخل في التفسير النقلي من الروايات المكذوبة المصنوعة. اهـ (التفسير والمفسرون. 1/ 156) .