فهرس الكتاب

الصفحة 1162 من 6201

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَعَيْشِهَا عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ عِنْدَهُ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}

مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَنِ السُّدِّيِّ:" {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} "

الْآيَةُ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَكَانَ سَلْمَانُ مِنْ جُنْدِيسَابُورَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدِيقًا لَهُ مُؤَاخِيًا، لَا يَقْضِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَمْرًا دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَانَا يَرْكَبَانِ إِلَى الصَّيْدِ جَمِيعًا. فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الصَّيْدِ إِذْ رُفِعَ لَهُمَا بَيْتٌ مِنْ عَبَاءٍ، فَأَتَيَاهُ فَإِذَا هُمَا فِيهِ بِرَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وَهُوَ يَبْكِي،

فَسَأَلَاهُ مَا هَذَا، فَقَالَ: الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ هَذَا لَا يَقِفُ مَوْقِفَكُمَا، فَإِنْ كُنْتُمَا تُرِيدَانِ أَنْ تَعْلَمَا مَا فِيهِ فَانْزِلَا حَتَّى أُعَلِّمَكُمَا، فَنَزَلَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: هَذَا كِتَابٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَمَرَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، فِيهِ: أَنْ لَا تَزْنِيَ، وَلَا تَسْرِقَ، وَلَا تَأْخُذَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. فَقَصَّ عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ، وَهُوَ الْإِنْجِيلُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عِيسَى. فَوَقَعَ فِي قُلُوبِهِمَا وَتَابَعَاهُ فَأَسْلَمَا، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ ذَبِيحَةَ قَوْمِكُمَا عَلَيْكُمَا حَرَامٌ، فَلَمْ يَزَالَا مَعَهُ كَذَلِكَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ عِيدٌ لِلْمَلِكِ، فَجَعَلَ طَعَامًا، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَالْأَشْرَافَ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْمَلِكِ فَدَعَاهُ إِلَى صَنِيعِهِ لِيَأْكُلَ مَعَ النَّاسِ، فَأَبَى الْفَتَى وَقَالَ: إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولٌ، فَكُلْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَبَعَثَ الْمَلِكُ إِلَى ابْنِهِ، فَدَعَاهُ وَقَالَ: مَا أَمْرُكَ هَذَا؟ قَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ، إِنَّكُمْ كُفَّارٌ لَيْسَ تَحِلُّ ذَبَائِحُكُمْ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّاهِبَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعَا الرَّاهِبَ فَقَالَ: مَاذَا يَقُولُ ابْنِي؟ قَالَ: صَدَقَ ابْنُكَ، قَالَ لَهُ: لَوْلَا أَنَّ الدَّمَ فِينَا عَظِيمٌ لَقَتَلْتُكَ، وَلَكِنِ اخْرُجْ مِنْ أَرْضِنَا، فَأَجَّلَهُ أَجَلًا. فَقَالَ سَلْمَانُ: فَقُمْنَا نَبْكِي عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنْ كُنْتُمَا صَادِقَيْنِ، فَإِنَّا فِي بَيْعَةٍ بِالْمَوْصِلِ مَعَ سِتِّينَ رَجُلًا نَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا، فَأْتُونَا فِيهَا. فَخَرَجَ الرَّاهِبُ، وَبَقِيَ سَلْمَانُ وَابْنُ الْمَلِكِ؛ فَجَعَلَ يَقُولُ لِابْنِ الْمَلِكِ: انْطَلِقْ بِنَا، وَابْنُ الْمَلِكِ يَقُولُ: نَعَمْ، وَجَعَلَ ابْنُ

الْمَلِكِ يَبِيعُ مَتَاعَهُ يُرِيدُ الْجِهَازَ. فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى سَلْمَانَ، خَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى أَتَاهُمْ، فَنَزَلَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ رَبُّ الْبَيْعَةِ، وَكَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَيْعَةِ مِنْ أَفْضَلِ الرُّهْبَانِ، فَكَانَ سَلْمَانُ: مَعَهُمْ يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: إِنَّكَ غُلَامٌ حَدَثٌ تَتَكَلَّفُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا تُطِيقُ، وَأَنَا خَائِفٌ أَنْ تَفْتُرَ وَتَعْجِزَ، فَارْفُقْ بِنَفْسِكَ وَخَفِّفْ عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: أَرَأَيْتَ الَّذِيَ تَأْمُرُنِي بِهِ أَهُوَ أَفْضَلُ، أَوِ الَّذِي أَصْنَعُ؟ قَالَ: بَلِ الَّذِي تَصْنَعُ؟ قَالَ: فَخَلِّ عَنِّي. ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْبَيْعَةِ دَعَاهُ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ لِي، وَأَنَا أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْرِجَ هَؤُلَاءِ مِنْهَا لَفَعَلْتُ؟ وَلَكِنِّي رَجُلٌ أَضْعَفُ عَنْ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَحَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْبَيْعَةِ إِلَى بَيْعَةٍ أُخْرَى هُمْ أَهْوَنُ عِبَادَةً مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ هَهُنَا فَأَقِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فَانْطَلِقْ. قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: أَيُّ الْبَيْعَتَيْنِ أَفْضَلُ أَهْلًا؟ قَالَ: هَذِهِ. قَالَ سَلْمَانُ: فَأَنَا أَكُونُ فِي هَذِهِ. فَأَقَامَ سَلْمَانُ بِهَا وَأَوْصَى صَاحِبَ الْبَيْعَةِ عَالِمَ الْبَيْعَةِ بِسَلْمَانَ، فَكَانَ سَلْمَانُ يَتَعَبَّدُ مَعَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ الْعَالِمَ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ لِسَلْمَانَ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فَانْطَلِقْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ فَأَقِمْ. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ أَنْطَلِقُ مَعَكَ أَمْ أُقِيمُ؟ قَالَ: لَا بَلْ تَنْطَلِقُ مَعِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت