وَفِي قَوْلِهِ: {يَسُومُونَكُمْ}
وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا عَنْ فِعْلِ فِرْعَوْنَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِيَ عَلَيْكُمْ إِذْ نَجَّيْتُكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ كَانَ مَوْضِعُ يَسُومُونَكُمْ رَفْعًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ يَسُومُونَكُمْ حَالًا، فَيَكُونَ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ سَائِمِيكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، فَيَكُونَ حَالًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {يَسُومُونَكُمْ}
فَإِنَّهُ يُورِدُونَكُمْ، وَيُذِيقُونَكُمْ، وَيُولُونَكُمْ، يُقَالُ مِنْهُ: سَامَهُ خُطَّةَ ضَيْمٍ: إِذَا أَوْلَاهُ ذَلِكَ وَأَذَاقَهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
فَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {سُوءَ الْعَذَابِ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي: مَا سَاءَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَشَدُّ الْعَذَابِ؛ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لَقِيلَ: أَسْوَأَ الْعَذَابِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي كَانُوا يَسُومُونَهُمُ الَّذِي كَانَ يَسُوءُهُمْ؟
قِيلَ: هُوَ مَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
وَأَضَافَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ سَوْمِهِمْ إِيَّاهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَذَبْحِهِمْ أَبْنَاءَهُمْ وَاسْتِحْيَائِهِمْ نِسَاءَهُمْ، إِلَيْهِمْ دُونَ فِرْعَوْنَ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُمْ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ كَانَ بِقُوَّةِ فِرْعَوْنَ وَعَنْ أَمْرِهِ، لِمُبَاشَرَتِهِمْ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ.
فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُبَاشِرٍ قَتْلَ نَفْسٍ أَوْ تَعْذِيبَ حَيٍّ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ غَيْرِهِ، فَفَاعِلُهُ الْمُتَوَلِّي ذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ قَاهِرًا الْفَاعِلَ الْمَأْمُورَ بِذَلِكَ سُلْطَانًا كَانَ الْآمِرُ أَوْ لِصًّا خَارِبًا أَوْ مُتَغَلِّبًا فَاجِرًا، كَمَا أَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَبْحَ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتِحْيَاءَ نِسَائِهِمْ إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ دُونَ فِرْعَوْنَ، وَإِنْ كَانُوا بِقُوَّةِ فِرْعَوْنَ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مَعَ غَلَبَتِهِ إِيَّاهُمْ وَقَهْرِهِ لَهُمْ. فَكَذَلِكَ كُلُّ قَاتِلٍ نَفْسًا بِأَمْرِ غَيْرِهِ ظُلْمًا فَهُوَ الْمَقْتُولُ عِنْدَنَا بِهِ قِصَاصًا، وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهَا بِإِكْرَاهِ غَيْرِهِ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ وَأَمَّا تَأْوِيلُ ذَبْحِهِمْ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاسْتِحْيَائِهِمْ نِسَاءَهُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ:"تَذَاكَرَ فِرْعَوْنُ وَجُلَسَاؤُهُ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا وَائْتَمَرُوا، وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رِجَالًا مَعَهُمُ الشِّفَارُ، يَطُوفُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إِلَّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْكِبَارَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَمُوتُونَ بِآجَالِهِمْ، وَأَنَّ الصِّغَارَ يُذْبَحُونَ، قَالَ: تُوشِكُونَ أَنْ تُفْنُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَصَيرُوا إِلَى أَنْ تُبَاشِرُوا مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْخِدْمَةِ مَا كَانُوا يَكْفُونَكُمْ، فَاقْتُلُوا عَامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ فَتَقِلُّ أَبْنَاؤُهُمْ وَدَعُوا عَامًا. فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِهَارُونَ فِي الْعَامِ الَّذِي لَا يُذْبَحُ فِيهِ الْغِلْمَانُ، فَوَلَدْتُهُ عَلَانِيَةً أُمُّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْقَابِلُ حَمَلَتْ بِمُوسَى"
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"قَالَتِ الْكَهَنَةُ لِفِرْعَوْنَ: إِنَّهُ يُولَدُ فِي هَذِهِ الْعَامِ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ بِمُلْكِكَ. قَالَ: فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ عَلَى كُلِّ أَلْفِ امْرَأَةٍ مِائَةَ رَجُلٍ، وَعَلَى كُلِّ مِائَةٍ عَشَرَةً، وَعَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ رَجُلًا؛ فَقَالَ: انْظُرُوا كُلَّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَانْظُرُوا إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَاذْبَحُوهُ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَلُّوا عَنْهَا. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} "
وَقَدْ قَالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ}
بِمَعْنَى يَذْبَحُونَ رِجَالَكُمْ آبَاءَ أَبْنَائِكُمْ. وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمَذْبُوحُونَ الْأَطْفَالَ، وَقَدْ قَرَنَ بِهِمُ النِّسَاءَ. فَقَالُوا: فِي إِخْبَارِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمُسْتَحِينَ هُمُ النِّسَاءُ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يُذْبَحُونَ هُمُ الرِّجَالُ دُونَ الصِّبْيَانِ، لِأَنَّ الْمُذَبَّحِينَ لَوْ كَانُوا هُمُ
الْأَطْفَالَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحْيُونَ هُمُ الصَّبَايَا.
قَالُوا: وَفِي إِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمُ النِّسَاءُ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُذَبَّحِينَ هُمُ الرِّجَالُ.
وَقَدْ أَغْفَلَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَعَ خُرُوجِهِمْ مِنْ تَأْوِيلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَوْضِعَ الصَّوَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ وَحْيِهِ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُرْضِعَ مُوسَى، فَإِذَا خَافَتْ عَلَيْهِ أَنْ تُلْقِيَهُ فِي التَّابُوتِ ثُمَّ تُلْقِيَهُ فِي الْيَمِّ. فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ لَوْ كَانُوا إِنَّمَا يَقْتُلُونَ الرِّجَالَ وَيَتْرُكُونَ النِّسَاءَ لَمْ يَكُنْ بِأُمِّ مُوسَى حَاجَةٌ إِلَى إِلْقَاءِ مُوسَى فِي الْيَمِّ، أَوْ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا لَمْ تَجْعَلْهُ أُمُّهُ فِي التَّابُوتِ؛ وَلَكِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ قَبْلُ مِنْ ذَبْحِ آلِ فِرْعَوْنَ الصِّبْيَانَ وَتَرْكِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ الصَّبَايَا.
وَإِنَّمَا قِيلَ: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
إِذْ كَانَ الصَّبَايَا دَاخِلَاتٍ مَعَ أُمَّهَاتِهِنَّ، وَأُمَّهَاتُهُنَّ لَا شَكَّ نِسَاءٌ فِي الِاسْتِحْيَاءِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْتُلُونَ صِغَارَ النِّسَاءِ وَلَا كِبَارَهُنَّ، فَقِيلَ: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
يَعْنِي بِذَلِكَ الْوَالِدَاتِ وَالْمَوْلُودَاتِ كَمَا يُقَالُ: قَدْ أَقْبَلَ الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَانٌ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
وَأَمَّا مِنَ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَذْبَحُ إِلَّا الَمَوْلُودُونَ قِيلَ: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ يُذَبِّحُونَ رِجَالَكُمْ.