الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَقُلْنَا لَهُمْ}
أَيْ فَقُلْنَا لِلَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ؛ يَعْنِي فِي يَوْمِ السَّبْتِ.
وَأَصْلُ السَّبْتِ الْهُدُوُّ السُّكُونُ فِي رَاحَةٍ وَدَعَةٍ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلنَّائِمِ مَسْبُوتٌ لِهُدُوِّهِ وَسُكُونِ جَسَدِهِ وَاسْتِرَاحَتِهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا}
أَيْ رَاحَةً لِأَجْسَادِكُمْ. وهوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَبَتَ فُلَانٌ يَسْبِتُ سَبْتًا.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ سُمِّيَ سَبْتًا لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَرَغَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ، مِنْ خَلْقِ جَمِيعِ خَلْقِهِ.
وَقَوْلُهُ: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}
أَيْ صِيرُوا كَذَلِكَ
وَالْخَاسِئُ: الْمُبْعَدُ الْمَطْرُودُ كَمَا يَخْسَأُ الْكَلْبُ، يُقَالُ مِنْهُ: خَسَأْتُهُ أَخْسَؤُهُ خَسْأً وَخُسُوءًا، وَهُوَ يَخْسَأُ خُسُوءًا، قَالَ: وَيُقَالُ خَسَأْتُهُ فَخَسَأَ وَانْخَسَأَ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
كَالْكَلْبِ إِنْ قُلْتَ لَهُ اخْسَأِ انْخَسَأَ
يَعْنِي إِنْ طَرَدْتَهُ انْطَرَدَ ذَلِيلًا صَاغِرًا. فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}
أَيْ مُبْعَدِينَ مِنَ الْخَيْرِ أَذِلَّاءَ صُغَرَاءَ.