يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ}
الَّذِينَ يَقْسِمُونَ أَلِيَّةً، وَالْأَلِيَّةُ: الْحَلِفُ
يُقَالُ: آلَى فُلَانٌ يُؤْلِي إِيلَاءً وًأَلِيَّةً، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
كَفَيْنَا مَنْ تَغَيَّبَ مِنْ تُرَابٍ ... وَأَحْنَثْنَا أَلِيَّةَ مُقْسِمِينَا
وَيُقَالُ أَلْوَةً وَأُلْوَةً، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
يَا أُلْوَةً مَا أُلْوَةً مَا أُلْوَتِي
وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: «إِلْوَةً» مَكْسُورَةَ الْأَلْفِ، وَالتَّرَبُّصُ: النَّظَرُ وَالتَّوَقُّفُ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ أَنْ يَعْتَزِلُوا مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَتَرَكَ ذِكْرَ أَنْ يَعْتَزِلُوا اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْيَمِينِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الرَّجُلُ مُؤْلِيًا مِنَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْيَمِينُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الرَّجُلُ مُؤْلِيًا مِنَ امْرَأَتِهِ، أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا فِي حَالِ غَضَبٍ عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ لَهَا أَنْ لَا يُجَامِعِهَا فِي فَرْجِهَا، فَأَمَّا إِنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِضْرَارِ عَلَى غَيْرِ غَضَبٍ فَلَيْسَ هُوَ مُؤْلِيًا مِنْهَا
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ جُبَيْرٌ:"أَرْضِعِي ابْنَ أَخِي مَعَ ابْنِكِ فَقَالَتْ: مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْضِعَ، اثْنَيْنٍ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى تَفْطِمَهُ. فَلَمَّا فَطَمَتْهُ مَرَّ بِهِ عَلَى الْمَجْلِسِ"فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: حَسَنًا مَا غَذَّوْتُمُوهُ. قَالَ جُبَيْرٌ: إِنِّي حَلَفْتُ أَلَا أَقْرَبَهَا حَتَّى تَفْطِمَهُ. فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: هَذَا إِيلَاءٌ، فَأَتَى عَلِيًّا، فَاسْتَفْتَاهُ، فَقَالَ: «إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَضَبًا فَلَا تَصْلُحُ لَكَ امْرَأَتُكَ، وَإِلَّا فَهِيَ امْرَأَتُكَ»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا إِيلَاءَ إِلَّا بِغَضَبٍ»
وَقَالَ آخَرُونَ. سَوَاءٌ إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا فِي فَرْجِهَا كَانَ حَلِفُهُ فِي غَضَبٍ، أَوْ غَيْرِ غَضَبٍ، كُلُّ ذَلِكَ إِيلَاءٌ
عَنْ إِبْرَاهِيمَ:"فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ غَشِيتُكِ حَتَّى تَفْطِمِي وَلَدَكِ فَأَنْتَ طَالِقٌ، فَتَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَ: هُوَ إِيلَاءٌ"
وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِهَا الرَّجُلُ فِي مُسَاءَةِ امْرَأَتِهِ فَهِيَ إِيلَاءٌ مِنْهُ مِنْهَا عَلَى الْجِمَاعِ، حَلِفٌ، أَوْ غَيْرُهُ، فِي رِضًا حَلَفَ، أَوْ سَخَطٍ
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ:"أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ رَجُلٌ أَنْ لَا يُكَلِّمَ امْرَأَتَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا، قَالَ: فَإِنَّا نَرَى ذَلِكَ يَكُونُ إِيلَاءً، وَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهَا، فَكَانَ يَمَسَّهَا فَلَا نَرَى ذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الْإِيلَاءِ وَالْفَيْءُ أَنْ يَفِيءَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَيُكَلِّمَهَا، أَوْ يَمَسَّهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ فَقَدْ فَاءَ؛ وَمَنْ فَاءَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَقَدْ فَاءَ وَمَلَكَ امْرَأَتَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ مَضَتْ لَهَا تَطْلِيقَةٌ"
وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا الْإِيلَاءُ فِي الْغَضَبِ، وَالضِّرَارِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْأَجَلَ الَّذِي أَحَلَّ فِي الْإِيلَاءِ مَخْرَجًا لِلْمَرْأَةِ مِنْ عَضْلِ الرَّجُلِ، وَضِرَارِهِ إِيَّاهَا فِيمَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ الصُّحْبَةِ، وَالْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ لَهَا عَاضِلًا، وَلَا مُضَارًّا بِيَمِينِهِ وَحَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ جِمَاعِهَا، بَلْ كَانَ طَالِبًا بِذَلِكَ رِضَاهَا، وَقَاضِيًا بِذَلِكَ حَاجَتَهَا، لَمْ يَكُنْ بِيَمِينِهِ تِلْكَ مُوَلِّيًا، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى هُنَالِكَ يَلْحَقُ الْمَرْأَةَ بِهِ مِنْ قِبَلِ بَعْلِهَا مُسَاءَةٌ وَسُوءُ عَشْرَةٍ، فَيَجْعَلُ الْأَجَلَ الَّذِي جَعَلَ الْمُولِي لَهَا مَخْرَجًا مِنْهُ.
وَأَمَّا عِلَّةُ مَنْ قَالَ: الْإِيلَاءُ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَالرِّضَا سَوَاءٌ عُمُومُ الْآيَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُخَصِّصْ مِنْ قَوْلِهِ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}
بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، بَلْ عَمَّ بِهِ كُلَّ مُؤْلٍ مُقْسِمٍ، فَكُلُّ مُقْسِمٍ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَغْشَاهَا مُدَّةً هِيَ أَكْثَرُ مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُ تَرَبُّصَهُ، فَمُؤْلٍ مِنَ امْرَأَتِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: هُوَ مُؤْلٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ الْأَجَلَ الَّذِي جُعِلَ لَهُ تَرَبُّصُهُ.
وَأَمَّا عِلَّةُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ، وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ الْأَجَلَ الَّذِي حَدَّهُ لِلْمَوْلِي مَخْرَجًا لِلْمَرْأَةِ مِنْ سُوءِ عِشْرَتِهَا بَعْلُهَا إِيَّاهَا وِإِضْرَارِهِ بِهَا. وَلَيْسَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا بِأَنْ لَا يُجَامِعَهَا وَلَا يَقْرَبَهَا بِأَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ مِنْ مَعَانِي سُوءِ الْعِشْرَةِ، وَالضِّرَارِ مِنَ الْحَلِفِ عَلَيْهَا أَنْ لَا يُكَلِّمَهَا، أَوْ يَسُوءَهَا، أَوْ يَغِيظَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهَا، وَسُوءُ عَشْرَةٍ لَهَا.
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتِ الْمُقْسِمَ الْجِمَاعَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ الْمُولِي تَرَبُّصَهَا قَائِلًا فِي غَضَبٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ رِضًا، وَذَلِكَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلُ لِقَائِلِي ذَلِكَ. وَقَدْ آتَيْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا «كِتَابُ اللَّطِيفِ» بِمَا فِيهِ الْكِفَايةُ.