الْمِيثَاقُ: الْمِفْعَالُ مِنَ الْوَثِيقَةِ إِمَّا بِيَمِينٍ، وَإِمَّا بِعَهْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَثَائِقِ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ}
الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}
الْآيَاتُ الَّذِي ذُكِرَ مَعَهَا.
وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ زَيْدٍ قَالَ:"لَمَّا رَجَعَ مُوسَى مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ بِالْأَلْوَاحِ قَالَ لِقَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَأَمْرُهُ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهْيُهُ الَّذِي نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِقَوْلِكَ أَنْتَ؟ لَا وَاللَّهِ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً حَتَّى يَطْلُعَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَيَقُولَ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ. فَمَا لَهُ لَا يُكَلِّمُنَا كَمَا كَلَّمَكَ أَنْتَ يَا مُوسَى فَيَقُولُ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ؟ قَالَ: فَجَاءَتْ غَضْبَةٌ مِنَ اللَّهِ فَجَاءَتْهُمْ صَاعِقَةٌ فَصَعَقَتْهُمْ، فَمَاتُوا أَجْمَعُونَ. قَالَ: ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: خُذُوا كِتَابَ اللَّهِ. فَقَالُوا: لَا، قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَصَابَكُمْ؟ قَالُوا: مِتْنَا ثُمَّ حَيِينَا، قَالَ: خُذُوا كِتَابَ اللَّهِ. قَالُوا: لَا. فَبَعَثَ مَلَائِكَتَهُ فَنَتَقَتِ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا الطُّورُ، قَالَ: خُذُوا الْكِتَابَ وَإِلَّا طَرَحْنَاهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: فَأَخَذُوهُ بِالْمِيثَاقِ."
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}
حَتَّى بَلَغَ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}
قَالَ: وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَأَخَذُوهُ بِغَيْرِ مِيثَاقٍ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ}
وَأَمَّا الطُّورُ فَإِنَّهُ الْجَبَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
دَانَى جَنَاحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرَّ ... تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ
وَقِيلَ إِنَّهُ اسْمُ جَبَلٍ بِعَيْنِهِ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي نَاجَى اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْجِبَالِ مَا أَنْبَتَ دُونَ مَا لَمْ يُنْبِتْ
وَقَالَ آخَرُونَ: الطُّورُ: اسْمٌ لِلْجَبَلِ الَّذِي نَاجَى اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: الطُّورُ مِنَ الْجِبَالِ: مَا أَنْبَتَ خَاصَّةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ: هُوَ مِمَّا اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ الْمَذْكُورِ عَمَّا تُرِكَ ذِكْرُهُ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وَقُلْنَا لَكُمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ، وَإِلَّا قَذَفْنَاهُ عَلَيْكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ: أَخْذُ الْمِيثَاقِ قَوْلٌ فَلَا حَاجَةَ بِالْكَلَامِ إِلَى إِضْمَارِ قَوْلٍ فِيهِ، فَيَكُونُ مِنْ كَلَامَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَا خَالَفَ الْقَوْلَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَنْ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ}
قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَحْذِفَ أَنْ.
وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ نُطِقَ بِهِ مَفْهُومٌ بِهِ مَعْنَى مَا أُرِيدَ فَفِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ}
مَا أَمَرْنَاكُمْ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَأَصْلُ الْإِيتَاءِ: الْإِعْطَاءُ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بِقُوَّةٍ}
بِجِدٍّ تَأْدِيَةَ مَا أَمَرَكُمْ فِيهِ وَافْتَرَضَ عَلَيْكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
يَعْنِي: وَاذْكُرُوا مَا فِيمَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتَابِنَا مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ شَدِيدٍ وَتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ، فَاتْلُوهُ وَاعْتَبِرُوا بِهِ وَتَدَبَّرُوهُ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كَيْ تَتَّقُوا وَتَخَافُوا عِقَابِي بِإِصْرَارِكُمْ عَلَى ضَلَالِكُمْ فَتَنْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي وَتَنْزِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِي.