فهرس الكتاب

الصفحة 4757 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)}

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا حُبُّ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ اللَّذَّاتِ، فَهُمْ يَبْتَغُونَ فِيهَا الْمُكَاثَرَةِ، وَالْمُفَاخَرَةِ، وَيَطْلُبُونَ فِيهَا الرِّيَاسَاتِ، وَالْمُبَاهَاةَ، وَيَسْتَكْبِرُونَ عَنِ اتِّبَاعِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَالْإِقْرَارِ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِي تَعَظُّمًا مِنْهُمْ عَلَى مَنْ صَدَّقَكَ، وَاتَّبَعَكَ، وَيَسْخَرُونَ بِمَنْ تَبِعَكَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ بِكَ، فِي تَرْكِهِمُ الْمُكَاثَرَةِ، وَالْمُفَاخَرَةِ بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا مِنَ الرِّيَاشِ وَالْأَمْوَالِ، بِطَلَبِ الرِّيَاسَاتِ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَى طَلَبِهِمْ مَا عِنْدِي بِرَفْضِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ زِينَتِهَا، وَالَّذِينَ عَمِلُوا لِي وَأَقْبَلُوا عَلَى طَاعَتِي وَرَفَضُوا لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، اتِّبَاعًا لَكَ، وَطَلَبًا لِمَا عِنْدِي، وَاتِّقَاءً مِنْهُمْ بِأَدَاءِ فَرَائِضِي، وَتَجَنُّبِ مَعَاصِيَّ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِدْخَالِ الْمُتَّقِينَ الْجَنَّةَ، وَإِدْخَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا النَّارَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

وَيَعْنِي بِذَلِكَ: وَاللَّهُ يُعْطِي الَّذِينَ اتَّقَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نِعَمِهِ، وَكَرَامَاتِهِ، وَجَزِيلِ عَطَايَاهُ، بِغَيْرِ مُحَاسَبَةٍ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَرَامَتِهِ.

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا فِي قَوْلِهِ: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

مِنَ الْمَدْحِ؟

قِيلَ: الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ مِنَ الْمَدْحِ الْخَبَرُ عَنْ أَنَّهُ غَيْرُ خَائِفٍ نَفَادَ خَزَائِنِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِذْ كَانَ الْحِسَابُ مِنَ الْمُعْطِي إِنَّمَا يَكُونُ لِيَعْلَمَ قَدْرَ الْعَطَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ مُلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ لِئَلَّا يَتَجَاوَزَ فِي عَطَايَاهُ إِلَى مَا يُجْحِفُ بِهِ، فَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى غَيْرُ خَائِفٍ نَفَادَ خَزَائِنِهِ، وَلَا انْتِقَاصَ شَيْءٍ مِنْ مُلْكِهِ بِعَطَائِهِ مَا يُعْطِي عِبَادَهُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يُعْطِي، وَإِحْصَاءِ مَا يُبْقِي؛ فَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت