يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ}
سَيَقُولُ الْجُهَّالُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَأَهْلُ النِّفَاقِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سُفَهَاءً، لِأَنَّهُمْ سَفِهُوا الْحَقَّ فَتَجَاهَلَتْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَتَعَاظَمَتْ جُهَالَهُمْ وَأَهْلُ الْغَبَاءِ مِنْهُمْ عَنْ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ مِنَ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَحَيَّرَ الْمُنَافِقُونَ فَتَبَلَّدُوا.
وَقَالَ آخَرُونَ: السُّفَهَاءُ: الْمُنَافِقُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}
"يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَا وَلَّاهُمْ} "
أَيُّ شَيْءٍ صَرَفَهُمْ عَنْ قِبَلِهِمْ؟ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَّانِي فُلَانٌ دُبُرَهُ: إِذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ عَنْهُ وَاسْتَدْبَرَهُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا وَلَّاهُمْ}
أَيُّ شَيْءٍ حَوَّلَ وُجُوهَهُمْ؟
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَنْ قِبْلَتِهِمُ}
فَإِنَّ قِبْلَةَ كُلِّ شَيْءٍ مَا قَابَلَ وَجْهَهُ، وَإِنَّمَا هِيَ «فِعْلَةٌ» بِمَنْزِلَةِ الْجِلْسَةِ وَالْقِعْدَةِ؛ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَابَلْتُ فُلَانًا: إِذَا صِرْتُ قِبَالَتَهُ أُقَابِلُهُ، فَهُوَ لِي قِبْلَةٌ، وَأَنَا لَهُ قِبْلَةٌ، إِذَا قَابَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَجْهِهِ وَجْهَ صَاحِبِهِ.
قَالَ: فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، إِذَا حَوَّلْتُمْ وُجُوهَكُمْ عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ الَّتِي كَانَتْ لَكُمْ قِبْلَةً قَبْلَ أَمْرِي إِيَّاكُمْ بِتَحْوِيلِ وُجُوهِكُمْ عَنْهَا شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَيُّ شَيْءٍ حَوَّلَ وُجُوهَ هَؤُلَاءِ فَصَرَفَهَا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَهُ بِوُجُوهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ؟ فَأَعْلَمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ قَائِلُونَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ تَحْوِيلِ قِبْلَتِهِ وَقِبْلَةِ أَصْحَابِهِ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَعَلَّمَهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَوَّابِ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا قَالُوا ذَلِكَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقُلْ لَهُمْ {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُدَّةً سَنَذْكُرُ مَبْلَغَهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى صَرْفَ قِبْلَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَخْبَرَهُ عَمَّا الْيَهُودُ قَائِلُوهُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ صَرْفِهِ وَجْهَهُ وَوَجْهَ أَصْحَابِهِ شَطْرَهُ، وَمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَوَّابِ""
ذِكْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَا كَانَ سَبَبُ صَلَاتِهِ نَحْوَهُ؟ وَمَا الَّذِي دَعَا الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى قِيلِ مَا قَالُوا عِنْدَ تَحْوِيلِ اللَّهِ قِبْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا» شَكَّ سُفْيَانُ ثُمَّ صُرِفْنَا إِلَى الْكَعْبَةِ""
وَقَالَ آخَرُونَ:"صَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، انْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ السُّفَهَاءُ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} "
وَقَالَ آخَرُونَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا»