فهرس الكتاب

الصفحة 1649 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ}

فَلَيْسَ لِمَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَكَفَرَ بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ بِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَأَخْرَجَ مِنْكُمْ فَرِيقًا مِنْ دِيَارِهِمْ مُظَاهِرًا عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَخِلَافًا لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُوسَى، جَزَاءٌ، يَعْنِي بِالْجَزَاءِ: الثَّوَابَ وَهُوَ الْعِوَضُ مِمَّا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَجْرُ عَلَيْهِ {إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}

وَالْخِزْيُ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ، يُقَالُ مِنْهُ: خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزَى خِزْيًا {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، يَعْنِي فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ.

ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْخِزْي الَّذِي أَخْزَاهُمُ اللَّهُ بِمَا سَلَفَ مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْذِ الْقَاتِلِ بِمَنْ قَتَلَ وَالْقَوَدِ بِهِ قِصَاصًا، وَالِانْتِقَامِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هُوَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَا أَقَامُوا عَلَى دِينِهِمْ ذِلَّةً لَهُمْ وَصَغَارًا.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الْخِزْيُ الَّذِي جُوزُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا إِخْرَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّضِيرَ مِنْ دِيَارِهِمْ لَأَوَّلِ الْحَشْرِ، وَقَتْلُ مَقَاتِلَةِ قُرَيْظَةَ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ؛ فَكَانَ ذَلِكَ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُرَدُّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ بَعْدَ الْخِزْيِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ فِي الدُّنْيَا جَزَاءً عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ الَّذِي أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ.

وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}

مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ قَائِلِ ذَلِكَ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ مَعَانِي الْعَذَابِ؛ وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِ الْأَلْفَ وَاللَّامَ، لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ جِنْسَ الْعَذَابِ كُلِّهِ دُونَ نَوْعٍ مِنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِقِرَاءَتِهِمْ مَعْنَى: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) يَعْنِي عَمَّا يَعْمَلُهُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ جَزَاءٌ عَلَى فِعْلِهِمْ إِلَّا الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمَرْجِعُهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ.

وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ؛ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِقِرَاءَتِهِمْ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ}

يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {عَمَّا تَعْمَلُونَ}

أَنْتُمْ. وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ إِتْبَاعًا لِقَوْلِهِ: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ}

وَلِقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ}

لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) إِلَى ذَلِكَ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}

فَإِتْبَاعُهُ الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْأَبْعَدِ مِنْهُ.

وَالْوَجْهُ الْآخَرُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ.

وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: وَمَا اللَّهُ بِسَاهٍ عَنْ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، بَلْ هُوَ مُحْصٍ لَهَا وَحَافِظُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَيُخْزِيَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُذِلُّهُمْ وَيَفْضَحُهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت