وَهَذَا نَعْتٌ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ، يَقَولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ يَا مُحَمَّدُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَيَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُ الْخِصَامِ، جَدَلٌ بِالْبَاطِلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، قَالَ بَعْضُهُمْ. نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقِ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، وَحَلَفَ أَنَّهُ مَا قَدِمَ إِلَّا لِذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ فَأَفْسَدَ أمْوَالًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ تَكَلَّمُوا فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي أُصِيبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّجِيعِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ"لَمَّا أُصِيبَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ أَصْحَابُ خُبَيْبٍ بِالرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، فَقَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذَا، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ، وَلَا هُمْ أَدُّوا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ النَّفَرَ فِي الشَّهَادَةِ وَالْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} "
أَيْ مَا يُظْهِرُ بِلِسَانِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}
أَيْ مِنَ النِّفَاقِ {وَهُوَ أَلَدُ الْخِصَامِ}
أَيْ ذُو جِدَالٍ إِذَا كَلَّمَكَ وَرَاجَعَكَ {وَإِذَا تَوَلَّى}
أَيْ خَرَجَ مِنْ عِنْدَكِ {سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}
أَيْ لَا يُحِبُّ عَمَلُهُ وَلَا يَرْضَاهُ {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمَ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مِنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}
الَّذِينَ شَرَوْا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ حَتَّى هَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ، وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}
اخْتِلَافَ سَرِيرَتِهِ، وَعَلَانِيَتِهِ.
قَالَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ:"إِنَّ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ:"إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، قُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، لَبِسُوا لِلنَّاسِ مُسُوكَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، يَجْتَرُّونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ، وَبِي يَغْتَرُّونَ؟ وَعِزَّتِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ""
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: «هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ» . فَقَالَ سَعِيدٌ، وأَيْنَ هُوَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}
فَقَالَ سَعِيدٌ: قَدْ عَرَفْتُ فِيمَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبً: «إِنَّ الْآيَةَ تَنْزِلُ فِي الرَّجُلِ ثُمَّ تَكُونُ عَامَّةً بَعْدُ»
وَفِي قَوْلِهِ {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}
وَجْهَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ: فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}
بِمَعْنَى أَنَّ الْمُنَافِقَ الَّذِي يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ، يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، أَنَّ قَوْلَهُ مُوَافِقٌ اعْتِقَادَهُ، وَأَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللِّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَهُوَ كَاذِبٌ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"كَانَ رَجُلٌ يَأْتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّكَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، وَالصِّدْقِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَالَ: حَتَّى يُعْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِي مِثْلَ مَا نَطَقَ بِهِ لِسَانِي. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} "
قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونِ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}
حَتَّى بَلَغَ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}
بِمَا يَشْهَدُونَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ""
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: «وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ» بِمَعْنَى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ عَلَى الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِنَ النِّفَاقِ، وَأَنَّهُ مُضْمِرٌ فِي قَلْبِهِ غَيْرَ الَّذِي يُبْدِيهِ بِلِسَانِهِ وَعَلَى كَذِبِهِ فِي قَلْبِهِ.
وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وَعَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى تَأَوَّلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى فِي حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
وَالَّذِي نَخْتَارُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْقُرَّاءِ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}
بِمَعْنَى يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.