يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا أَحْلَلْتُ لَكُمْ مِنَ الْأَطْعِمَةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَيَّبْتُهُ لَكُمْ مِمَّا تُحَرِّمُونَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنَ الْبَحَائِرِ،
وَالسَّوَائِبِ، وَالْوَصَائِلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ، دُونَ مَا حَرَّمْتُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ، وَالْمَآكِلِ فَنَجَّسْتُهُ مِنْ مَيْتَةٍ، وَدَمٍ، وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِي، وَدَعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُوبِقُكُمْ فَيُهْلِكُكُمْ وَيُورِدُكُمْ مَوَارِدَ الْعَطَبِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ فَلَا تَتَّبِعُوهَا وَلَا تَعْمَلُوا بِهَا، إِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ {إِنَّهُ}
إِنَّ الشَّيْطَانَ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّهُ}
عَائِدَةٌ عَلَى الشَّيْطَانِ {لَكُمْ}
أَيُّهَا النَّاسُ {عَدُوٌّ مُبِينٌ}
يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ أَبَانَ لَكُمْ عَدَاوَتَهُ بِإِبَائِهِ عَنِ السُّجُودِ لِأَبْيكُمْ وَغُرُورِهِ إِيَّاهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَاسْتَزَلَّهُ بِالْخَطِيئَةِ، وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا تَنْتَصِحُوهُ أَيُّهَا النَّاسُ مَعَ إِبَانَتِهِ لَكُمُ الْعَدَاوَةَ، وَدَعُوا مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ، وَالْتَزِمُوا طَاعَتِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مِمَّا أَحْلَلْتُهُ لَكُمْ وَحَرَّمْتُهُ عَلَيْكُمْ، دُونَ مَا حَرَّمْتُمُوهُ أَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَحَلَّلْتُمُوهُ طَاعَةً مِنْكُمْ لِلشَّيْطَانِ وَاتِّبَاعًا لَأَمْرِهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ {حَلَالًا}
طَلْقًا، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ حَلَّ لَكَ هَذَا الشَّيْءُ، أَيْ صَارَ لَكَ مُطْلَقًا، فَهُوَ يُحِلُّ لَكَ حَلَالًا وَحِلًّا، مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ لَكَ حِلٌّ، أَيْ طَلْقٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {طَيِّبًا}
فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ طَاهِرًا غَيْرَ نَجِسٍ وَلَا مُحَرَّمٍ.
وَأَمَّا الْخُطُواتُ فَإِنَّهُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وَالْخُطْوَةُ: بُعْدُ مَا بَيْنَ قَدَمَيِ الْمَاشِي، وَالْخَطْوَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ: الْفَعْلَةُ الْوَاحِدَةُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: خَطَوْتُ خَطْوَةً وَاحِدَةً؛ وَقَدْ تُجْمَعُ الْخُطْوَةُ خُطًا، وَالْخَطْوَةُ تُجْمَعُ خَطَوَاتٍ وَخِطَاءٌ. وَالْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّبَاعِ خُطُواتِهِ، النَّهْي عَنْ طَرِيقِهِ وَأَثَرِهِ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ مِمَّا هُوَ خِلَافُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْخُطُواتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: عَمَلُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خُطُوَاتِ الشَّيْطَانُ: خَطَايَاهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: طَاعَتُهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: النُّذُورُ فِي الْمَعَاصِي
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}
قَرِيبٌ مَعْنَى بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَائِلٍ مِنْهُمْ قَوْلًا فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَى نَهْيِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ فِي آثَارِهِ وَأَعْمَالِهِ. غَيْرَ أَنَّ حَقِيقَةَ تَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ هُوَ مَا بَيَّنْتُ مِنْ أَنَّهَا بُعْدُ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي جَمِيعِ آثَارِهِ وَطُرُقِهِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ.