فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(59)}

وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {فَبَدَّلَ}

فَغَيَّرَ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ ظَلَمُوا}

الَّذِينَ فَعَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِعْلُهُ

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

بَدَّلُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ فَقَالُوا خِلَافَهُ، وَذَلِكَ هُوَ التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ. وَكَانَ تَبْدِيلُهُمْ، بِالْقَوْلِ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ، قَوْلًا غَيْرَهُ

قيل: دَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعِيرَةٍ""

وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَيَقُولُوا حِطَّةٌ، وَطُؤْطِئَ لَهُمُ الْبَابُ لِيَسْجُدُوا فَلَمْ يَسْجُدُوا وَدَخَلُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَقَالُوا حِنْطَةٌ»

وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:" {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} "

يَحُطُّ اللَّهُ بِهَا عَنْكُمْ ذَنْبَكُمْ وَخَطِيئَاتِكُمْ. قَالَ: فَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، يَعْنِي بِمُوسَى وَقَالُوا: مَا يَشَاءُ مُوسَى أَنْ يَلْعَبَ بِنَا إِلَّا لَعِبَ بِنَا حِطَّةٌ حِطَّةٌ. أَيُّ شَيْءٍ حِطَّةٌ؟

وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: حِنْطَةٌ""

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}

عَلَى الَّذِينَ فَعَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ تَبْدِيلِهِمُ الْقَوْلَ، الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ يَقُولُوهُ، قَوْلًا غَيْرَهُ، وَمَعْصِيَتُهُمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَبِرُكُوبِهِمْ مَا قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبِهِ {رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}

وَالرِّجْزُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الْعَذَابُ، وَهُوَ غَيْرُ الرِّجْزِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّجْزَ: الْبَثْرُ وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ»

وعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: الرِّجْزُ: الْغَضَبُ""

وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"لَمَّا قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} "

{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ، فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا.

وَقَرَأَ: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}

قَالَ: وَبَقِيَ الْأَبْنَاءُ، فَفِيهِمُ الْفَضْلُ وَالْعِبَادَةُ الَّتِي تُوصَفُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْخَيْرُ، وَهَلَكَ الْآبَاءُ كُلُّهُمْ، أَهْلَكَهُمُ الطَّاعُونُ""

قال أبو جعفر:

وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنْ تَأْوِيلَ الرِّجْزِ: الْعَذَابُ. وَعَذَابُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى الَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرَهُمُ الرِّجْزَ مِنَ السَّمَاءِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَاعُونًا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، وَلَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلَا فِي أَثَرٍ عَنِ الرَّسُولِ ثَابِتٍ أَيُّ أَصْنَافِ ذَلِكَ كَانَ. فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ}

بِفِسْقِهِمْ. غَيْرَ أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى النَّفْسِ صِحَّةُ مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ لِلْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الطَّاعُونِ أَنَّهُ رِجْزٌ، وَأَنَّهُ عُذِّبَ بِهِ قَوْمٌ قَبْلَنَا. وَإِنْ كُنْتُ لَا أَقُولُ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ يَقِينًا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بَيَانَ فِيهِ أَيُّ أُمَّةٍ عُذِّبَتْ بِذَلِكَ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِهِ كَانُوا غَيْرَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ فِي قَوْلِهِ: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْفِسْقِ: الْخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ.

فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}

إِذًا بِمَا كَانُوا يَتْرُكُونَ طَاعَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَخْرُجُونَ عَنْهَا إِلَى مَعْصِيَتِهِ وَخِلَافِ أَمْرِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت