وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: يَحْتَبِسْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ مُعْتَدَّاتٍ عَنِ الْأَزْوَاجِ، وَالطِّيبِ، وَالزِّينَةِ، وَالنُّقْلَةِ عَنِ الْمَسْكَنِ الَّذِي كُنَّ يَسْكُنَّهُ فِي حَيَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِلَّا أَنْ يَكُنَّ حَوَامِلَ، فَيَكُونُ عَلَيْهِنَّ مِنَ التَّرَبُّصِ كَذَلِكَ إِلَى حِينَ وَضْعِ حَمْلِهِنَّ، فَإِذَا وَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ انْقَضَتْ عِدَدُهُنَّ حِينَئِذٍ.
عَنْ حَفْصَةَ ابْنَةِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ»
عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تُفْتِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّ تُحِدَّ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَلَا مُعَصْفَرًا، وَلَا تَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ، وَلَا بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ وَإِنْ وَجِعَتْ عَيْنُهَا، وَلَكِنْ تَكْتَحِلُ بِالصَّبِرِ وَمَا بَدَا لَهَا مِنَ الْأَكْحَالِ سِوَى الْإِثْمِدِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، وَلَا تَلْبَسُ حُلِيًّا، وَتَلْبَسُ الْبَيَاضَ، وَلَا تَلْبَسُ السَّوَادَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أُمِرَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا عَنِ الْأَزْوَاجِ خَاصَّةً، فَأَمَّا عَنِ الطِّيبِ، وَالزِّينَةِ، وَالْمَبِيتِ عَنِ الْمَنْزِلِ فَلَمْ تَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ تُؤْمَرُ بِالتَّرَبُّصِ بِنَفْسِهَا عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ:" {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} "
وَلَمْ يَقُلْ تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، فَلْتَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ""
وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَمَرَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِالتَّرَبُّصِ عَنِ النِّكَاحِ وَجَعَلُوا حُكْمَ الْآيَةِ عَلَى الْخُصُوصِ.
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: «لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» تَسَلَّبِي ثَلَاثًا ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ""
قَالُوا: فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَأَنَّ الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}
إِنَّمَا هُوَ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ عَنِ الْأَزْوَاجِ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْإِحْدَادَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَتَرْكَ النُّقْلَةَ عَنْ مَنْزِلِهَا الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِنَّهُمُ اعْتَلُّوا بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَقَالُوا: أَمَرَ اللَّهُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ تَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالتَّرَبُّصِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فِي التَّنْزِيلِ بِعَيْنِهِ، بَلْ عَمَّ بِذَلِكَ مَعَانِيَ التَّرَبُّصَ، قَالُوا: فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا مَا أَطْلَقَتْهُ لَهَا حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا قَالُوا: فَالتَّرَبُّصُ عَنِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ، وَالنُّقْلَةِ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ كَمَا التَّرَبُّصُ عَنِ الْأَزْوَاجِ دَاخِلٌ فِيهَا.
قَالُوا: وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ بِالَّذِي قُلْنَا فِي الزِّينَةِ وَالطِّيبِ.
أَمَّا فِي النُّقْلَةِ فَإِنَّ الْفُرَيْعَة ابْنَةِ مَالِكٍ، أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَتْ:"قُتِلَ زَوْجِي وَأَنَا فِي دَارٍ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّقْلَةِ، فَأَذِنَ لِي ثُمَّ نَادَانِي بَعْدَ أنْ تَوَلَّيْتُ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا فُرَيْعَةُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» "
قَالُوا: فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى تَرَبُّصِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مَا خَالَفَهُ.
قَالُوا: وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَالثَّابِتُ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالُوا: وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرِهِ إِيَّاهَا بِالتَّسَلُّبِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَنْ تَصْنَعَ مَا بَدَا لَهَا، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمَرْأَةِ، بَلْ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا بِالتَّسَلُّبِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْعَمَلُ بِمَا بَدَا لَهَا مِنْ لُبْسِ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ مِمَّا يَجوزُ لِلْمُعْتَدَّةِ لُبْسُهُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ زِينَةً وَلَا تَطَيُّبًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ مَا لَيْسَ بِزِينَةٍ وَلَا ثِيَابٍ تَسَلُّبٍ، وَذَلِكَ كَالَّذِي أَذِنَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ تَلْبَسَ مِنْ ثِيَابِ الْعَصْبِ، وَبُرُودِ الْيَمَنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا مِنِ ثِيَابِ زِينَةٍ وَلَا مِنْ ثِيَابِ تَسَلُّبٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَوْبٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ صِبْغٌ بَعْدَ نَسْجِهِ مِمَّا يَصْبُغُهُ النَّاسُ لِتَزْيِينِهِ، فَإِنَّ لَهَا لُبْسَهُ؛ لِأَنَّهَا تَلْبَسُهُ غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ الزِّينَةَ الَّتِي يَعْرِفُهَا النَّاسُ.