الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ. وَالْفُلْكُ هُوَ السُّفُنُ، وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَذْكِيرِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلَنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}
فَذَكَّرَهُ، وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ}
وَهِيَ مَجْرَاة؛ لِأَنَّهَا إِذَا أُجْرِيَتْ فَهِيَ الْجَارِيَةُ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا مِنَ الصِّفَةِ مَا هُوَ لَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ}
فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْبَحْرِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ}
وَفِيمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ
وَقَوْلُهُ: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}
وَإِحْيَاؤُهَا: عِمَارَتُهَا وَإِخْرَاجُ نَبَاتِهَا، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي «بِهِ» عَائِدَةٌ عَلَى الْمَاءِ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: {بَعْدَ مَوْتِهَا}
عَلَى الْأَرْضِ، وَمَوْتُ الْأَرْضِ: خَرَابُهَا وَدُثُورُ عِمَارَتِهَا، وَانْقِطَاعُ نَبَاتِهَا الَّذِي هُوَ لِلْعِبَادِ أَقْوَاتٌ، وَلِلْأَنَامِ أَرْزَاقٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}
وَإِنَّ فِيمَا بَثَّ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ، {وَبَثَّ فِيهَا}
وَفَرَّقَ فِيهَا، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: بَثَّ الْأَمِيرُ سَرَايَاهُ: يَعْنِي فَرَّقَ. وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: «فِيهَا» عَائِدَتَانِ عَلَى الْأَرْضِ. وَالدَّابَّةُ الْفَاعِلَةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدُبُّ دَبِيبًا فَهِيَ دَابَّةٌ، وَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ كَانَ غَيْرَ طَائِرٍ بِجَنَاحَيْهِ لِدَبِيبِهِ عَلَى الْأَرْضِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}
وَفِي تَصْرِيفِهِ الرِّيَاحَ، فَأَسْقَطَ ذِكْرَ الْفَاعِلَ وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ، كَمَا قَالَ: يُعْجِبُنِي إِكْرَامُ أَخِيكَ، يُرِيدُ إِكْرَامَكَ أَخَاكَ وَتَصْرِيفُ اللَّهِ إِيَّاهَا: أَنْ يُرْسِلَهَا مَرَّةً لَوَاقِحَ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهَا عَقِيمًا، وَيَبْعَثُهَا عَذَابًا تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ}
وَفِي السَّحَابِ جَمْعُ سَحَابَةٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}
فَوَحَّدَ الْمُسَخَّرَ وَذَكَّرَهُ كَمَا قَالَ: هَذِهِ تَمْرَةٌ، وَهَذَا تَمْرٌ كَثِيرٌ فِي جَمْعِهِ، وَهَذِهِ نَخْلَةٌ، وَهَذَا نَخْلٌ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّحَابِ سَحَابٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِجَرِّ بَعْضِهِ بَعْضًا وَسَحْبِهِ إِيَّاهُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَرَّ فُلَانٌ يَجُرُّ ذَيْلَهُ: يَعْنِي يَسْحَبُهُ. فَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَآيَاتٍ}
فَإِنَّهُ عَلَامَاتٌ وَدَلَالَاتٌ عَلَى أَنَّ خَالِقَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَمُنْشِئَهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
لِمَنْ عَقَلَ مَوَاضِعَ الْحُجَجِ وَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ أَدِلَّتَهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ. فَأَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ، وَالْحُجَجَ إِنَّمَا وُضِعَتْ مُعْتَبَرًا لِذَوِي الْعُقُولِ وَالتَّمْيِيزِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ، إِذْ كَانُوا هُمُ الْمَخْصُوصِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْمُكَلَّفِينَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَهُمُ الثَّوَابُ وَعَلَيْهِمُ الْعِقَابُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ احْتُجَّ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}
الْآيَةَ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَصْنَافًا مِنْ أَصْنَافِ الْكَفَرَةِ تَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَسَائِرُ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَخْلُوقَةً؟
قِيلَ: إِنَّ إِنْكَارَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ دَافِعٍ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَبَارِئًا لَا مِثْلَ لَهُ. وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَاجَّ بِذَلِكَ قَوْمًا كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ؛ فَحَاجَّهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ إِذْ أَنْكَرُوا قَوْلَهُ: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}
وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ شُرَكَاءَ مِنَ الْآلِهَةِ: إِنَّ إِلَهَكُمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ، وَأَجْرَى فِيهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكُمْ بِأَرْزَاقِكُمْ دَائِبَيْنِ فِي سَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ}
وَأَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخْصَبَ بِهِ جَنَابَكُمْ بَعْدَ جُدُوبِهِ، وَأَمْرَعَهُ بَعْدَ دُثُورِهِ، فَنَعَشَكُمْ بِهِ بَعْدَ قُنُوطِكُمْ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ فِيهَا لَكُمْ مَطَاعِمُ وَمَآكِلُ، وَمِنْهَا جَمَالٌ وَمَرَاكِبٌ، وَمِنْهَا أَثَاثٌ وَمَلَابِسٌ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}
وَأَرْسَلَ لَكُمُ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ لِأَشْجَارِ ثِمَارِكُمْ وَغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتِكُمْ وَسَيَّرَ لَكُمُ السَّحَابَ الَّذِي بِوَدْقِهِ حَيَاتُكُمْ وَحَيَاةُ نَعَمِكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ؛ وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}
فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ إِلَهَهُمْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النَّعَمِ، وَتَفَرَّدَ لَهُمْ بِهَا. ثُمَّ قَالَ: {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ}
فَتُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ، وَتَجْعَلُوهُ لِي نِدًّا وَعَدْلًا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَفِي الَّذِي عَدَدْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَتِي وَتَفَرَّدْتُ لَكُمْ بِأَيَادِيَّ دِلَالَاتٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ مَوَاقِعَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْجَوْرِ وَالْإِنْصَافِ، وَذَلِكَ إِنِّي لَكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْكُمْ مُتَفَرِّدٌ دُونَ غَيْرِي، وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِي فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ أَنْدَادًا. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ.
وَالَّذِينَ ذُكِّرُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِهَا هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ دُونَ الْمُعَطِّلَةِ، وَالدَّهْرِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْغَرِ مَا عَدَّ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، الْمُقْنِعِ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ تَرَكْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ كَرَاهَةَ إِطَالَةِ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ.