فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقٍّ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ذَلِكَ ضَرْبُ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِحْلَالُهُ غَضَبَهُ بِهِمْ. فَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ، وَهِيَ يَعْنِي بِهِ مَا وَصَفْنَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ ذَلِكَ يَشْمَلُ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ إِذَا أُشِيرَ بِهِ إِلَيْهَا.

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ}

مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ، يَقُولُ: فَعَلْنَا بِهِمْ مِنْ إِحْلَالِ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسَّخَطِ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.

قَوْلُهُ: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}

يَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ مِنَّا بِكُفْرِهِمْ بِآيَاتِنَا، وَجَزَاءً لَهُمْ بِقَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَنَا.

وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ مَعْنَى الْكُفْرِ: تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ وَسَتْرُهُ، وَأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ: حُجَجُهُ وَأَعْلَامُهُ وَأَدِلَّتُهُ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ.

فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: فَعَلْنَا بِهِمْ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْحَدُونَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ، وَتَصْدِيقَ رُسُلِهِ وَيَدْفَعُونَ حَقِّيَّتَهَا، وَيُكَذِّبُونَ بِهَا.

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}

وَيَقْتُلُونَ رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ ابْتَعَثَهُمْ لِإِنْبَاءِ مَا أَرْسَلَهُمْ بِهِ عَنْهُ لِمَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ.

وَهُمْ جِمَاعٌ وَاحِدُهُمْ نَبِيٌّ، غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ، لِأَنَّهُ مَنْ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ، فَهُوَ يُنْبِئُ عَنْهُ إِنْبَاءً، وَإِنَّمَا الِاسْمُ مِنْهُ مُنْبِئٌ وَلَكِنَّهُ صُرِفَ وَهُوَ مُفْعِلٍ إِلَى فَعِيلٌ، كَمَا صُرِفَ سَمِيعٌ إِلَى فَعِيلٍ مِنْ مُفْعِلٍ، وَبَصِيرٌ مِنْ مُبْصِرٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَأَبْدَلَ مَكَانَ الْهَمْزَةِ مِنَ النَّبِيءِ الْيَاءَ، فَقِيلَ نَبِيٌّ.

وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمُ: النَّبِيُّ وَالنُّبُوَّةُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ. لِأَنَّهُمَا مَأْخُوذَانِ مِنَ النَّبْوَةِ، وَهِيَ مِثْلُ النَّجْوَةِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ. وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ أَصْلَ النَّبِيِّ الطَّرِيقُ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ الْقُطَامِيِّ:

[البحر البسيط]

لَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَتَبَّ بِهَا ... مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْحِ مُنْسَحِلُ

يَقُولُ: إِنَّمَا سُمِّيَ الطَّرِيقُ نَبِيًّا، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ مُسْتَبِينٌ مِنَ النُّبُوَّةِ. وَيَقُولُ. لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَهْمِزُ النَّبِيَّ. قَالَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَّا مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}

أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ رُسُلَ اللَّهِ بِغَيْرِ إِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ بِقَتْلِهِمْ مُنْكِرِينَ رِسَالَتَهُمْ جَاحِدِينَ نُبُوَّتَهُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}

وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ}

رَدٌّ عَلَى ذَلِكَ الْأُولَى.

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَقَتْلِهِمُ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، مِنْ أَجْلِ عِصِيَانِهِمْ رَبَّهُمْ، وَاعْتِدَائِهِمْ حُدُودَهُ؛ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا}

وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ بِعِصْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ مُعْتَدِينَ. وَالِاعْتِدَاءُ: تَجَاوُزُ الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَكُلُّ مُتَجَاوِزٍ حَدَّ شَيْءٍ إِلَى غَيْرِهِ فَقَدْ تَعَدَّاهُ إِلَى مَا جَاوَزَ إِلَيْهِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَعَلْتُ بِهِمْ مَا فَعَلْتُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا أَمْرِي، وَتَجَاوَزُوا حَدِّي إِلَى مَا نَهَيْتُهُمْ عَنْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت