اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ: {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا تُحِلُّوا حُرُمَاتِ اللَّهِ, وَلَا تَتَعَدُّوا حُدُودَهُ. كأَنَّهُمْ وَجَّهُوا الشَّعَائِرَ إِلَى الْمَعَالِمِ, وَتَأَوَّلُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ: مَعَالِمَ حُدُودِ اللَّهِ, وَأَمْرِهِ, وَنَهْيِهِ, وَفَرَائِضِهِ" [وهو قَوْلُ عَطَاءٍ] "
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا تُحِلُّوا}
حَرَمَ اللَّهِ. فكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْلِهِ: {شَعَائِرَ اللَّهِ} أَيْ مَعَالِمَ حَرَمِ اللَّهِ مِنَ الْبِلَادِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تُحِلُّوا مَنَاسِكَ الْحَجِّ فَتُضِيعُوهَا. وكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى: لَا تُحِلُّوا مَعَالِمَ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّهَا لَكُمْ فِي حَجِّكُمْ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ:"كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ, وَيُهْدُونَ الْهَدَايَا, وَيُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ الْمَشَاعِرِ, وَيَتَّجِرُونَ فِي حَجِّهِمْ, فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ, فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} "
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ:"شَعَائِرُ اللَّهِ: مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَنْ تُصِيبَهُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ"وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ, وَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى: لَا تُحِلُّوا مَعَالِمَ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ فِي إِحْرَامِكُمْ""
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِهِ: {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} قَوْلُ عَطَاءٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوْجِيهِهِ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى: لَا تُحِلُّوا حُرُمَاتِ اللَّهِ, وَلَا تُضِيعُوا فَرَائِضَهُ, لِأَنَّ الشَّعَائِرَ جَمْعُ شَعِيرَةٍ, وَالشَّعِيرَةُ: فَعِيلَةٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ شَعَرَ فُلَانٌ بِهَذَا الْأَمْرِ: إِذَا عَلِمَ بِهِ, فَالشَّعَائِرُ: الْمَعَالِمُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ, كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: لَا تَسْتَحِلُّوا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَالِمَ اللَّهِ, فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَعَالِمُ اللَّهِ كُلُّهَا فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ, مِنْ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ إِصَابَتَهُ فِيهَا عَلَى الْمُحْرِمِ, وَتَضْيِيعُ مَا نَهَى عَنْ تَضْيِيعِهِ فِيهَا, وَفِيمَا حَرَّمَ مِنَ اسْتِحْلَالِ حُرُمَاتِ حَرَمِهِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ, لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مَعَالِمِهِ وَشَعَائِرِهِ الَّتِي جَعَلَهَا أَمَارَاتٍ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ, يُعْلَمُ بِهَا حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ""
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ الْقَوْلَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ}
لِأَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ اسْتِحْلَالِ شَعَائِرِهِ وَمَعَالِمِ حُدُودِهِ, وَإِحْلَالِهَا نَهْيًا عَامًا مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دُونَ شَيْءٍ, فَلَمْ يُجِزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُوَجِّهَ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى الْخُصُوصِ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا, وَلَا حُجَّةَ بِذَلِكَ كَذَلِكَ"."