يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ لَا يَنْتَظِرُونَ بِالْإِنَابَةِ إِلَى طَاعَتِي، وَالتَّوْبَةِ إِلَيَّ بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِكَ وَتَصْدِيقِكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي، إِلَّا أَنْ آتِيَهُمْ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَمَلَائِكَتِي، فَأَفْصِلُ الْقَضَاءِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ آمَنَ بِكَ وَصَدَّقَكَ بِمَا أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ مِنْ كُتُبِي، وَفَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِعِ دِينِي وَبَيْنَهُمْ كَمْ جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ قَبْلِكَ مِنْ آيَةٍ وَعَلَامَةٍ، عَلَى مَا فَرَضْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِي، فَأَمَرْتُهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِي، وَتَابَعْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ حُجَجِي عَلَى أَيْدِي أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي مِنْ قَبْلَكَ مُرِيدَةٍ لَهُمْ عَلَى صِدْقِهِمْ بَيِّنَةٍ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِي، وَاضِحَةٍ أَنَّهَا مِنْ أَدِلَّتِي عَلَى صِدْقِ نَذْرِي وَرُسُلِي فِيمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَصْدِيقِهِمْ وَتَصْدِيقِكَ، فَكَفَرُوا حُجَجِي، وَكَذَّبُوا رُسُلِي، وَغَيَّرُوا نِعَمِي قَبْلَهُمْ، وَبَدَّلُوا عَهْدِي وَوَصِيَّتِي إِلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ بَيَّنْتُ تَأْوِيلَهَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ وَهِيَ هَاهُنَا
[كما روي] عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:" {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} "
مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَمَا لَمْ يَذْكُرْ، وَهُمُ الْيَهُودُ""
وعَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلَهُ:"آتَاهُمُ اللَّهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ: عَصَا مُوسَى وَيَدَهُ، وَأَقْطَعَهُمُ الْبَحْرَ، وَأَغْرَقَ عَدُوَّهُمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ، وَالسَّلْوَى. وَذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الَّتِي آتَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِهَا، خَالَفُوا مَعَهَا أَمْرَ اللَّهِ، فَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَرُسُلَهُ، وَبَدَّلُوا عَهْدَهُ وَوَصِيَّتَهُ إِلَيْهِمْ، قَالَ اللَّهُ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} "
وَإِنَّمَا أَنْبَأَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، فَأَمَرَهُ بِالصَّبِرِ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ، وَاسْتَكْبَرَ عَلَى رَبِّهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَسْلَافِ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ، مَعَ مُظَاهَرَتِهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ، وَأَنَّ مَنْ هُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ إِنَّمَا هُمْ مِنْ بَقَايَا مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ مِمَّنْ قَصَّ عَلَيْهِ قِصَصَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
يَعْنِي بِالنَّعَمِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْإِسْلَامَ، وَمَا فُرِضَ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ}
وَمَنْ يُغَيِّرْ مَا عَاهَدَ اللَّهَ فِي نِعْمَتِهِ الَّتِي هِيَ الْإِسْلَامُ مِنَ الْعَمَلِ، وَالدُّخُولِ فِيهِ فَيَكْفُرُ بِهِ، فَإِنَّهُ مُعَاقِبُهُ بِمَا أَوْعَدَ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَاللَّهُ شَدِيدٌ عِقَابُهُ، أَلِيمٌ عَذَابُهُ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ فَصَدَّقُوا بِهَا، ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعًا، وَدَعُوا الْكُفْرَ، وَمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ مِنْ ضَلَالِتِهِ، وَقَدْ جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ مِنْ عِنْدِي بِمُحَمَّدٍ، وَمَا أَظْهَرْتُ عَلَى يَدَيْهِ لَكُمْ مِنَ الْحُجَجِ، وَالْعِبَرِ، فَلَا تُبَدِّلُوا عَهْدِي إِلَيْكُمْ فِيهِ وَفِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي فِي كِتَابِكُمْ بِأَنَّهُ نَبِيِّي وَرَسُولِي، فَإِنَّهُ مَنْ يُبَدِّلْ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَيُغَيِّرْهُ فَإِنِّي لَهُ مُعَاقِبٌ بِالْأَلِيمِ مِنَ الْعُقُوبَةِ.