فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ(50)}

أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ}

فَإِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ}

بِمَعْنَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَاذْكُرُوا إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {فَرَقْنَا بِكُمُ}

فَصَلْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَفَرَقَ الْبَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، فَسَلَكَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا مِنْهَا. فَذَلِكَ فَرْقُ اللَّهِ بِهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْبَحْرَ، وَفَصْلُهُ بِهِمْ بِتَفْرِيقِهِمْ فِي طَرِيقِ الِاثْنَيْ عَشَرَ

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ}

فَرَقْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ: فَصَلْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ وَحَجَزْنَاهُ حَيْثُ مَرَرْتُمْ بِهِ. وَذَلِكَ خِلَافُ مَا فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ فَرَقَ الْبَحْرَ بِالْقَوْمِ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ فَرَقَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ، فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ مَا قَالَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَفَرْقُهُ الْبَحْرَ بِالْقَوْمِ، إِنَّمَا هُوَ تَفْرِيقُهُ الْبَحْرَ بِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ افْتِرَاقِ سَبِيلِهِ بِهِمْ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}

إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ غَرَّقَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ آلَ فِرْعَوْنَ، وَنَجَّى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟

قِيلَ لَهُ [روي] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ:"لَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ خَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ مُوسَى عَلَى سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ دُهْمِ الْخَيْلِ سِوَى مَا فِي جُنْدِهِ مِنْ شُهْبِ الْخَيْلِ؛ وَخَرَجَ مُوسَى، حَتَّى إِذَا قَابَلَهُ الْبَحْرُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ مُنْصَرَفٌ، طَلَعَ فِرْعَوْنُ فِي جُنْدِهِ مِنْ خَلْفِهِمْ {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ} "

مُوسَى: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينَ}

أَيْ لِلنَّجَاةِ، وَقَدْ وَعَدَنِي ذَلِكَ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ""

عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ:"فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} "

قَالَ: لَمَّا خَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ: لَا تَتَّبِعُوهُمْ حَتَّى يَصِيحَ الدِّيكُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا صَاحَ لَيْلَتَئِذٍ دِيكٌ حَتَّى أَصْبَحُوا فَدَعَا بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَفْرَغُ مِنْ كَبِدِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيَّ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ. فَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ كَبِدِهَا حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ. ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا أَتَى مُوسَى الْبَحْرَ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ يَا مُوسَى؟ قَالَ: أَمَامَكَ. يُشِيرُ إِلَى الْبَحْرِ. فَأَقْحَمَ يُوشَعُ فَرَسَهُ فِي الْبَحْرِ حَتَّى بَلَغَ الْغَمْرَ، فَذَهَبَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ يَا مُوسَى؟ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتَ وَلَا كُذِبْتَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى مُوسَى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}

يَقُولُ: مِثْلَ جَبَلٍ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ وَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ فِي طَرِيقِهِمْ، حَتَّى إِذَا تَتَامُّوا فِيهِ أَطْبَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ قَالَ: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}

قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مَعَ مُوسَى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ عَلَى أَلْفِ أَلْفٍ وَمِائَةِ أَلْفِ حِصَانٍ""

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}

كَمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: ضُرِبْتَ وَأَهْلُكَ يَنْظُرُونَ، فَمَا أَتَوْكَ وَلَا أَعَانُوكَ، بِمَعْنَى: وَهُمْ قَرِيبٌ بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ}

وَلَيْسَ هُنَاكَ رُؤْيَةٌ، إِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ. وَالَّذِي دَعَاهُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ وَجَّهَ قَوْلَهُ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}

أَيْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى غَرَقِ فِرْعَوْنَ. فَقَالَ: قَدْ كَانُوا فِي شُغْلٍ مِنْ أَنْ يَنْظُرُوا مِمَّا اكْتَنَفَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَغَرَقِهِ. وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ، إِنَّمَا التَّأْوِيلُ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى فَرْقِ اللَّهِ الْبَحْرَ لَكُمْ عَلَى مَا قَدْ وَصَفْنَا آنِفًا، وَالْتِطَامِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ بِآلِ فِرْعَوْنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُيِّرَ لَكُمْ فِي الْبَحْرِ طَرِيقًا يَبَسًا، وَذَلِكَ كَانَ لَا شَكَّ نَظَرَ عِيَانٍ لَا نَظَرَ عِلْمٍ كَمَا ظَنَّهُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت