فهرس الكتاب

الصفحة 1839 من 6201

وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْآيَةِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ}

فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِمَعَاشِرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرِيلَ لَهُمْ عَدُوٌّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ صَاحِبُ سَطَوَاتٍ وَعَذَابٍ وَعُقُوبَاتٍ لَا صَاحِبَ وَحْيٍ وَتَنْزِيلٍ وَرَحْمَةٍ، فَأَبَوُا اتِّبَاعَكَ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، وَأَنْكَرُوا مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِي وَبَيِّنَاتِ حُكْمِي مِنْ أَجْلِ أَنَّ جِبْرِيلَ وَلِيُّكَ وَصَاحِبُ وَحْيِي إِلَيْكَ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ عَدُوٌّ لَهُمْ: مَنْ يَكُنْ مِنَ النَّاسِ لِجِبْرِيلَ عَدُوًّا وَمُنْكِرًا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ وَحْيِ اللَّهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَصَاحِبَ رَحْمَتِهِ فَإِنِّي لَهُ وَلِيٌّ وَخَلِيلٌ، وَمُقِرٌّ بِأَنَّهُ صَاحِبُ وَحْيٍ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ وَحْيُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِي مِنْ عِنْدِ رَبِّي بِإِذْنِ رَبِّي لَهُ بِذَلِكَ يَرْبِطُ بِهِ عَلَى قَلْبِي وَيَشُدُّ فُؤَادِي.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ}

وَهُوَ يَعْنِي بِذَلِكَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَمَرَ مُحَمَّدًا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ أَنْ يُخْبِرَ الْيَهُودَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِي. وَلَوْ قِيلَ: عَلَى قَلْبِي، كَانَ صَوَابًا مِنَ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا أَمَرَتْ رَجُلًا أَنْ يَحْكِيَ مَا قِيلَ لَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ تُخْرِجَ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مَرَّةً مُضَافًا إِلَى كِنَايَةِ نَفْسِ الْمُخْبِرِ عَنْ نَفْسِهِ، إِذْ كَانَ الْمُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَرَّةً مُضَافًا إِلَى اسْمِهِ كَهَيْئَةِ كِنَايَةِ اسْمِ الْمُخَاطَبِ لِأَنَّهُ بِهِ مُخَاطَبٌ؛ فَتَقُولُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ: قُلْ لِلْقَوْمِ إِنَّ الْخَيْرَ عِنْدِي كَثِيرٌ، فَتُخْرِجُ كِنَايَةَ اسْمِ الْمُخْبِرِ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ. وَقُلْ لِلْقَوْمِ: إِنَّ الْخَيْرَ عِنْدَكَ كَثِيرٌ فَتُخْرِجُ كِنَايَةَ اسْمِهِ كَهَيْئَةِ كِنَايَةِ اسْمِ الْمُخَاطَبِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِقِيلِ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَاطَبٌ مَأْمُورٌ بِحِكَايَةِ مَا قِيلَ لَهُ.

وَكَذَلِكَ:"لَا تَقُلْ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَائِمٌ وَلَا تَقُلْ لَهُمْ: إِنَّكَ قَائِمٌ، وَالْيَاءُ مِنْ إِنَّي اسْمُ الْمَأْمُورِ بَقَوْلِ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ) وَتُغْلَبُونَ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت