فهرس الكتاب

الصفحة 2402 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَعَهِدْنَا}

وَأَمَرْنَا

فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَأَمَرْنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِتَطْهِيرِ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ. وَالتَّطْهِيرِ الَّذِي أَمَرَهُمَا اللَّهُ بِهِ فِي الْبَيْتِ، هُوَ تَطْهِيرُهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فِيهِ وَمِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}

وَهَلْ كَانَ أَيَّامَ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ بِنَائِهِ الْبَيْتَ بَيْتٌ يُطَهَّرُ مِنَ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فِي الْحَرَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا أُمِرَا بِتَطْهِيرِهِ؟

قِيلَ: لِذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ، قَدْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنِ ابْنِيَا بَيْتِيَ مُطَهَّرًا مِنَ الشِّرْكِ وَالرَّيْبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}

أَيْ ابْنِيَا بَيْتِيَ عَلَى طُهْرٍ مِنَ الشِّرْكِ بِي وَالرَّيْبِ.

وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَا أُمِرَا بِأَنْ يُطَهِّرَا مَكَانَ الْبَيْتِ قَبْلَ بُنْيَانِهِ وَالْبَيْتَ بَعْدَ بُنْيَانِهِ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ يَجْعَلُونَهُ فِيهِ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُمَا، إِذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ جَعَلَ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ مِنْ بَعْدِهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلطَّائِفِينَ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الطَّائِفِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ يَأْتُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مِنْ غُرْبَةٍ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الطَّائِفُونَ هُمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ غُرَبَاءَ كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِهِ.

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ مَا قَالَهُ عَطَاءٌ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَ هُوَ الَّذِي يَطُوفُ بِالشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالطَّارِئُ مِنْ غُرْبَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ طَائِفٍ بِالْبَيْتِ إِنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْعَاكِفِينَ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَالْعَاكِفِينَ}

وَالْمُقِيمِينَ بِهِ، وَالْعَاكِفُ عَلَى الشَّيْءِ: هُوَ الْمُقِيمُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ:

[البحر الطويل]

عُكُوفًا لَدَى أَبْيَاتِهِمْ يَثْمِدُونَهُمْ ... رَمَى اللَّهُ فِي تِلْكَ الْأَكُفِّ الْكَوَانِعِ

وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُعْتَكِفِ مُعْتَكِفٌ مِنْ أَجْلِ مُقَامِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَبَسَ فِيهِ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَالْعَاكِفِينَ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ الْجَالِسَ فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ طَوَافٍ وَلَا صَلَاةٍ.

وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَاكِفُونَ هُمُ الْمُعْتَكِفُونَ الْمُجَاوِرُونَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَاكِفُونَ هُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ الْحَرَامِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: الْعَاكِفُونَ: هُمُ الْمُصَلُّونَ.

وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ عَطَاءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْعَاكِفَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُقِيمُ فِي الْبَيْتِ مُجَاوِرًا فِيهِ بِغَيْرِ طَوَافٍ وَلَا صَلَاةٍ، لِأَنَّ صِفَةَ الْعُكُوفِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْإِقَامَةِ بِالْمَكَانِ. وَالْمُقِيمُ بِالْمَكَانِ قَدْ يَكُونُ مُقِيمًا بِهِ وَهُوَ جَالِسٌ وَمُصَلٍّ وَطَائِفٌ وَقَائِمٌ، وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ؛ فَلَمَّا كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}

الْمُصَلِّينَ وَالطَّائِفِينَ، عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَالَ الَّتِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الْعَاكِفِ غَيْرُ حَالِ الْمُصَلِّي وَالطَّائِفِ، وَأَنَّ الَّتِي عَنَى مِنْ أَحْوَالِهِ هُوَ الْعُكُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى سَبِيلِ الْجِوَارِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا فِيهِ وَلَا رَاكِعًا وَلَا سَاجِدًا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَالرُّكَّعِ}

جَمَاعَةُ الْقَوْمِ الرَّاكِعِينَ فِيهِ لَهُ، وَاحِدُهُمْ رَاكِعٌ. وَكَذَلِكَ السُّجُودُ هُمْ جَمَاعَةُ الْقَوْمِ السَّاجِدِينَ فِيهِ لَهُ وَاحِدُهُمْ سَاجِدٌ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ قَاعِدٌ وَرِجَالٌ قُعُودٌ وَرَجُلٌ جَالِسٌ وَرِجَالٌ جُلُوسٌ؛ فَكَذَلِكَ رَجُلٌ سَاجِدٌ وَرِجَالٌ سُجُودٌ.

وَقِيلَ: بَلْ عَنَى بِالرُّكَّعِ السُّجُودِ: الْمُصَلِّينَ.

وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى بَيَانُ مَعْنَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت