فهرس الكتاب

الصفحة 3810 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) }

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ}

ذَا الْقَعْدَةِ، وَهُوَ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ فِيهِ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَصَدُّهُ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ عَنِ الْبَيْتِ وَدُخُولِ مَكَّةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ هِجْرَتِهِ، وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، عَلَى أَنْ يَعُودَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَيَدْخُلُ مَكَّةَ وَيُقِيمُ ثَلَاثًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ هِجْرَتِهِ خَرَجَ مُعْتَمِرًا وَأَصْحَابُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدَّوُهُ عَنِ الْبَيْتِ فِيهِ فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَأَخْلَى لَهُ أَهْلُ مَكَّةَ الْبَلَدِ، حَتَّى دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَأَتَمَّ عُمْرَتَهُ، وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُنْصَرِفًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَعَهُ: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ}

يَعْنِي ذَا الْقَعْدَةِ الَّذِي أَوْصَلَكُمُ اللَّهُ فِيهِ إِلَى حَرَمِهِ بَيْتِهِ عَلَى كَرَاهَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُمْ مِنْهُ وَطَرَكُمْ {بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ}

الَّذِي صَدَّكُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٌ الْعَامَ الْمَاضِي قَبْلَهُ فِيهِ، حَتَّى انْصَرَفْتُمْ عَنْ كُرْهٍ مِنْكُمْ عَنِ الْحَرَامِ، فَلَمْ تَدْخُلُوهُ وَلَمْ تَصِلُوا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَأَقْصَدَكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِإِدْخَالِكُمُ الْحَرَمَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ، بِمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَيْكُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ مِنَ الصَّدِّ وَالْمَنْعِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ.

وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَا الْقَعْدَةَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تُحَرِّمُ فِيهِ الْقِتَالَ وَالْقَتْلَ وَتَضَعُ فِيهِ السِّلَاحَ، وَلَا يَقْتُلُ فِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا وَلَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ.

وَإِنَّمَا كَانُوا سَمُّوهُ ذَا الْقَعْدَةِ لِقُعُودِهِمْ فِيهِ عَنِ الْمَغَازِي، وَالْحُرُوبِ، فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِالِاسْمِ الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ بِهِ.

وَأَمَّا الْحُرُمَاتُ فَإِنَّهَا جَمْعُ حُرْمَةٍ كَالظُّلُمَاتِ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، وَالْحُجُرَاتُ جَمْعُ حُجْرَةٍ.

وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}

فَجَمْعٌ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْبَلَدَ الْحَرَامَ وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ: دُخُولُكُمُ الْحَرَمَ بِإِحْرَامِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا الْحَرَامِ قِصَاصٌ مِمَّا مُنِعْتُمْ مِنْ مِثْلِهِ عَامَكُمُ الْمَاضِي، وَذَلِكَ هُوَ الْحُرُمَاتُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ قِصَاصًا.

وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِصَاصَ هُوَ الْمُجَازَاةُ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ أَوِ الْبُدْنِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت