فهرس الكتاب

الصفحة 3970 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَأَرَدْتُمُ الْإِحْلَالَ مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَلَا تُحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ إِذَا أُحْصِرْتُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي الَّذِي أَوْجَبْتُهُ عَلَيْكُمْ لِإِحْلَالِكُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمُ الَّذِي أُحْصِرْتُمْ فِيهِ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَانْقِضَاءِ مَشَاعِرِهِ، وَمَنَاسِكِهِ مَحِلَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ إِحْلَالٌ مِنَ الْإِحْرَامِ الَّذِي كَانَ الْمُحْرِمُ قَدِ أَوْجَبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنِ الْإِحْلَالِ مِنْ إِحْرَامِهِ بِحِلَاقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي الَّذِي أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ الْإِحْلَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِإِهْدَائِهِ مَحِلَّهُ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَحِلِّ الْهَدْيِ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ الَّذِي مَتَى بَلَغَهُ كَانَ لِلْمُحْصِرِ الْإِحْلَالُ مِنْ إِحْرَامِهِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحِلُّ هَدْيِ الْمُحْصَرِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ بِبُلُوغِهِ إِيَّاهُ حَلْقُ رَأْسِهِ، إِذَا كَانَ إِحْصَارُهُ مِنْ خَوْفِ عَدُوٍّ مَنَعَهُ ذَبْحَهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُذْبَحُ، أَوْ نَحَرَهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُنْحَرُ، فِي الْحِلِّ ذُبِحَ، أَوْ نُحِرَ، أَوْ فِي الْحَرَمِ حَيْثُ حُبِسَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ عَدُوٍّ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْإِحْصَارُ إِحْصَارُ الْعَدُوِّ دُونَ غَيْرِهِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحِلُّ هَدْيِ الْمُحْصَرِ الْحَرَمُ لَا مَحِلَّ لَهُ غَيْرُهُ.

وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَنَّ مَحِلَّ الْهَدَايَا، وَالْبُدْنِ الْحَرَمُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ الْبُدْنَ، وَالْهَدَايَا فَقَالَ: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}

فَجَعَلَ مَحِلِّهَا الْحَرَمَ، وَلَا مَحِلَّ لِلْهَدْيِ دُونَهُ قَالُوا: وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ الْمُحْتَجُّونَ بِنَحْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدَايَاهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ

فعَنْ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ:"أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صُدَّ عَنِ الْهَدْيِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ مَعِي بِالْهَدْيِ فَلْنَنْحَرْهُ بِالْحَرَمِ قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ» ؟ قُلْتُ: آخُذُ بِهِ أَوْدِيَةً فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ حَتَّى نَحَرْتُهُ بِالْحَرَمِ"قَالُوا: فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدَايَاهُ فِي الْحَرَمِ، فَلَا حُجَّةَ لِمُحْتَجٍّ بِنَحْرِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَتَأْوِيلِهَا عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَالُوا: إِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَنْ حَجَّكُمْ فَمُنِعْتُمْ مِنَ الْمُضِيِّ لِإِحْرَامِهِ لِعَائِقِ مَرَضٍ، أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ، وَأَدَاءِ اللَّازِمِ لَكُمْ وَحَجِّكُمْ حَتَّى فَاتَكُمُ الْوقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ عَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ لِمَا فَاتَكُمْ مِنْ حَجَّكُمْ مَعَ قَضَاءِ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَكُمْ. فَقَالَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: لَيْسَ لِلْمُحْصَرِ فِي الْحَجِّ بِالْمَرَضِ، وَالْعِلَلِ غَيْرُهُ الْإِحْلَالُ إِلَّا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ إِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ. قَالُوا: فَأَمَّا إِنْ أَطَاقَ شُهُودَ الْمَشَاهِدِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحْصَرٍ.

قَالُوا: وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَا إِحْصَارَ فِيهَا، لِأَنَّ وَقْتَهَا مَوْجُودٌ أَبَدًا. قَالُوا: وَالْمُعْتَمِرُ لَا يُحِلُّ إِلَّا بِعَمَلٍ آخَرَ مَا يَلْزَمُهُ فِي إِحْرَامِهِ. قَالُوا: وَلَمْ يَدْخُلَ الْمُعْتَمِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهَا الْحَاجَّ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا إِحْصَارَ الْيَوْمَ بِعَدُوٍّ كَمَا لَا إِحْصَارَ بِمَرَضٍ يَجُوزُ لِمَنْ فَاتَهُ أَنْ يُحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: حِصَارُ الْعَدُوِّ ثَابِتٌ الْيَوْمَ، وَبَعْدَ الْيَوْمِ، عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِهِمُ الثَّلَاثَةَ الَّتِي حَكَيْنَا عَنْهُمْ.

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنَى بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي مَحِلَّهُ}

كُلٌّ مُحْصَرٍ فِي إِحْرَامٍ بِعُمْرَةٍ كَانَ إِحْرَامُ الْمُحْصَرِ أَوْ بِحَجٍّ، وَجَعَلَ مَحِلَّ هَدْيِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ، وَجَعَلَ لَهُ الْإِحْلَالَ مِنْ إِحْرَامِهِ بِبِلُوغِ هَدْيِهِ مَحِلَّهُ وَتَأَوَّلَ بِالْمَحَلِّ الْمَنْحَرِ، أَوِ الْمَذْبَحِ، وَذَلِكَ حِينَ حَلَّ نَحْرُهُ، أَوْ ذَبْحُهُ فِي حَرَمٍ كَانَ أَوْ فِي حِلٍّ، وَأَلْزَمَهُ قَضَاءُ مَا حَلَّ مِنْهُ مِنْ إِحْرَامِهِ قَبْلَ إِتَمَامِهِ إِذَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَذَلِكَ لِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صُدَّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنِ الْبَيْتِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَأَصْحَابُهُ بِعُمْرَةٍ، فَنَحَرَ هُوَ، وَأَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ الْهَدْيَ، وَحَلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ قَضَوْا إِحْرَامَهُمُ الَّذِي حَلُّوا مِنْهُ فِي الْعَامِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَلَا غَيْرِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ انْتِظَارًا لِلْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ وَالْإِحْلَالِ بِالطَّوَافِ بِهِ، وَبِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، وَلَا تَحَفَّى وصُولَ هَدْيِهِ إِلَى الْحَرَمِ. فَأَوْلَى الْأَفْعَالِ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ، فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ لَمْ يَأْتِ بِحَظْرِهِ خَبَرٌ، وَلَمْ تَقُمْ بِالْمَنْعِ مِنْهُ حُجَّةٌ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ مُخْتَلِفَيْنِ فِيمَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، فَمِنْ مُتَأَوِّلٍ مَعْنَى الْآيَةِ تَأْوِيلَنَا، وَمِنْ مُخَالِفٍ ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ ثَابِتًا بِمَا قُلْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقْلُ كَانَ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُ أَوْلَى الْأُمُورِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَا يَتَدَافَعُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا يَوْمَئِذٍ نَزَلَتْ وَفِي حُكْمِ صَدِّ الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُ عَنِ الْبَيْتِ أُوحِيَتْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت