فهرس الكتاب

الصفحة 3939 من 6201

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ شَاةٌ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

قَالَ: «عَلَيْهِ، يَعْنِي الْمُحْصَرَ هَدْي إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَمَنِ الْإِبِلِ، وَإِلَّا فَمَنِ الْبَقَرِ، وَإِلَّا فَمَنِ الْغَنَمِ»

وَقَالَ آخَرُونَ: «مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» : مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، سِنٌّ دُونَ سَنٍّ.

وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَا تَيَسَّرَ لِلْمُهْدِي أَنْ يَهْدِيَهُ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يُهْدِي. إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَيَكُونُ مَا خَصَّ مِنْ ذَلِكَ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ مَا احْتَمَلَهُ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، وَيَكُونُ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُ مُجْزِئًا إِذَا أَهْدَاهُ الْمُهْدِيُ بَعْدِ أَنْ يَسْتَحِقَّ اسْمَ هَدْيٍ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الَّذِي أَبَوْا أَنْ تَكُونَ الشَّاةُ مِمَّا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ هَدْيٍ كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَهْدَى دَجَاجَةً، أَوْ بَيْضَةً لَمْ يَكُنْ مُهْدِيًا هَدْيًا مُجْزِئًا؟

قِيلَ: لَوْ كَانَ فِي الْمَهْدِيِّ الدَّجَاجَةِ وَالْبَيْضَةِ مِنَ الِاخْتِلَافِ نَحْوُ الَّذِي فِي الْمَهْدِيِّ الشَّاةِ لَكَانَ سَبِيلُهُمَا وَاحِدَةً فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْهَدْيَيْنِ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا بِإِهْدَائِهِ مَا أَهْدَى مِنْ ذَلِكَ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي إِحْصَارِهِ. وَلَكِنْ لَمَّا أَخْرَجَ الْمَهْدِيُّ مَا دُونَ الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيِّ مِنَ الْمَعْزِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ فَصَاعِدًا مِنَ الْأَسْنَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُهْدِيًا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي إِحْصَارِهِ، أَوْ مُتْعَتِهِ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ الْعُذْرِ، نَقْلًا عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِرَاثَةً، كَانَ ذَلِكَ خَارِجًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِقَوْلِهِ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

وَإِنْ كَانَ مِمَّا اسْتَيْسَرَ لَنَا مِنَ الْهَدَايَا. وَلَمَّا اخْتُلِفَ فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيِّ مِنَ الْمَعْزِ، كَانَ مُجْزِئًا ذَلِكَ عَنْ مُهْدِيهِ لِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، لِأَنَّهُ مِمَّا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَحَلُّ «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ؟

قِيلَ: رَفْعٌ. فَإِنْ قَالَ: بِمَاذَا؟

قِيلَ: بِمَتْرُوكٍ، وَذَلِكَ «فَعَلَيْهِ» لِأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِلَّهِ، فَإِنْ حَبَسَكُمْ عَنْ إِتْمَامِ ذَلِكَ حَابِسٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ فَعَلَيْكُمْ لِإِحْلَالِكُمْ إِنْ أَرَدْتُمُ الْإِحْلَالَ مِنْ إِحْرَامِكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الرَّفْعَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقُرْآنِ جَاءَ بِرَفْعِ نَظَائِرهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ}

وَكَقَوْلِهِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ بِإِحْصَائِهِ الْكِتَابُ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ.

وَلَوْ قِيلَ: مَوْضِعُ «مَا» نَصْبٌ بِمَعْنَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَأَهْدُوا مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، لَكَانَ غَيْرَ مُخْطِئٍ قَائِلُهُ.

وَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنَّهُ جَمْعٌ وَاحِدُهَا هَدِيَّةٌ، عَلَى تَقْدِيرِ جَدِيَّةِ السَّرْجِ، وَالْجَمْعُ الْجَدْيُ مُخَفَّفٌ حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: كَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَقُولُ: «لَا أَعْلَمُ فِي الْكَلَامِ حَرْفًا يُشْبِهُهُ» وَبِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَسْكِينِ الدَّالِ مِنَ «الْهَدْيِ» قَرَأَهُ الْقُرَّاءُ فِي كُلِّ مِصْرٍ، إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنِ الْأَعْرَجِ فإنَّهُ قَرَأَ: «هَدِيًّا بَالِغَ الْكَعْبَةِ» بِكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلًا، وَقَرَأَ: «حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدِيُّ مَحِلَّهُ» بِكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَةً""

وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَاصِمٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ مُوَافَقَةُ الْأَعْرَجِ وَمُخَالَفَتُهُ إِلَى قِرَاءَةِ سَائِرِ الْقُرَّاءِ.

وَالْهَدْي عِنْدِي إِنَّمَا سُمِّيَ هَدْيًا لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مُهْدِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْهَدِيَّةِ يُهْدِيهَا الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِهِ مُتَقَرِّبًا بِهَا إِلَيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَهْدَيْتُ الْهَدْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَنَا أُهْدِيهِ إِهْدَاءً، كَمَا يُقَالُ فِي الْهَدِيَّةِ يُهْدِيهَا الرَّجُلَ إِلَى غَيْرِهِ: أَهْدَيْتُ إِلَى فُلَانٍ هَدِيَّةً، وَأَنَا أُهْدِيهَا. وَيُقَالُ لِلْبَدَنَةِ هَدِيَّةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى يَذْكُرُ رَجُلًا أُسِرَ يُشْبِهُهُ فِي حُرْمَتُهُ بِالْبَدَنَةِ الَّتِي تُهْدَى:

[البحر الوافر]

فَلَمْ أَرَ مَعْشَرًا أَسَرُوا هَدِيًّا ... وَلَمْ أَرَ جَارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت