فهرس الكتاب

الصفحة 1247 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) }

وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا وَبَّخَ اللَّهُ بِهَا الْمُخَاطَبِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي نَقْضِ أَوَائِلِهِمُ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالطَّاعَةِ لِأَنْبِيَائِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: وَاذْكُرُوا أَيْضًا مِنْ نَكْثِكُمْ مِيثَاقِي، إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، وَقَوْمُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، إِذِ ادَّارَءُوا فِي الْقَتِيلِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِمْ إِلَيْهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}

وَالْهُزُوُ: اللَّعِبُ وَالسُّخْرِيَةُ كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:

[البحر الرجز]

قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَةَ ... قَالَتْ أُرَاهُ مُعْدِمًا لَا شَيْءَ لَهُ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: قَدْ هَزِئَتْ: قَدْ سَخِرِتْ وَلَعِبَتْ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ فِيمَا أَخْبَرَتْ عَنِ اللَّهِ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ هُزُوٌ أَوْ لَعِبٌ. فَظَنُّوا بِمُوسَى أَنَّهُ فِي أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذِبْحِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ تَدَارُئِهِمْ فِي الْقَتِيلِ إِلَيْهِ أَنَّهُ هَازِئٌ لَاعِبٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا ذَلِكَ بِنَبِيِّ اللَّهِ، وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذِبْحِ الْبَقَرَةِ.

وَحُذِفَتِ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}

وَهُوَ جَوَابٌ، لِاسْتِغْنَاءِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ عَنْهُ، وَحَسُنَ السُّكُوتُ عَلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}

فَجَازَ لِذَلِكَ إِسْقَاطُ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}

كَمَا جَازَ وَحَسُنَ إِسْقَاطُهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا}

وَلَمْ يَقُلْ: فَقَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا، وَلَوْ قِيلَ: فَقَالُوا، كَانَ حَسَنًا أَيْضًا جَائِزًا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَسْقُطْ مِنْهُ الْفَاءُ؛ وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ قُمْتَ وَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ تَقُلْ: قُمْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، لِأَنَّهَا عَطْفٌ لَا اسْتِفْهَامٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمْ مُوسَى إِذْ قَالُوا لَهُ مَا قَالُوا إِنَّ الْمُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْهُزْءِ وَالسُّخْرِيَةِ مِنَ الْجَاهِلِينَ وَبَرَّأَ نَفْسَهُ مِمَّا ظَنُّوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}

يَعْنِي مِنَ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ يَرْوُونَ عَنِ اللَّهِ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ.

وَكَانَ سَبَبُ قِيلِ مُوسَى لَهُمْ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}

مَا ذكره مُحَمَّد بْن سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ:"كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَقِيمٌ أَوْ عَاقِرٌ، قَالَ: فَقَتَلَهُ وَلِيُّهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ فِي سِبْطٍ غَيْرِ سِبْطِهِ. قَالَ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ الشَّرُّ، حَتَّى أَخَذُوا السِّلَاحَ. قَالَ: فَقَالَ أُولُو النُّهَى: أَتَقْتَتِلُونَ وَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: فَأَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْبَحُوا بَقَرَةً. فَقَالُوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ} "

إِلَى قَوْلِهِ: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}

قَالَ: فَضُرِبَ فَأَخْبَرَهُمْ بِقَاتِلِهِ. قَالَ: وَلَمْ تُؤْخَذِ الْبَقَرَةُ إِلَّا بِوَزْنِهَا ذَهَبًا. قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُوَرَّثْ قَاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ""

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَالَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}

بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا وَاسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الَّذِيَ أَمَرَهُمْ بِهِ مُوسَى عَلَيْه السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ مِنْ ذَبْحِ بَقَرَةٍ جَدٌّ وَحَقٌّ: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}

فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ لَهُمْ مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ كَفَاهُمْ بِقَوْلِهِ لَهُمْ: اذْبَحُوا بَقَرَةً؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذِبْحِ بَقَرَةٍ مِنَ الْبَقَرِ أَيِّ بَقَرَةٍ شَاءُوا ذَبْحَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُرَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا دُونَ نَوْعٍ أَوْ صِنْفٍ دُونَ صِنْفٍ، فَقَالُوا بِجَفَاءِ أَخْلَاقِهِمْ وَغِلَظِ طَبَائِعِهِمْ وَسُوءِ أَفْهَامِهِمْ، وَتَكَلُّفِ مَا قَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُؤْنَتَهُ، تَعَنُّتًا مِنْهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَمَّا قَالَ لَهُمْ مُوسَى: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} "

قَالُوا لَهُ يَتَعَنَّتُونَهُ: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}

فَلَمَّا تَكَلَّفُوا جَهْلًا مِنْهُمْ مَا تَكَلَّفُوا مِنَ الْبَحْثِ عَمَّا كَانُوا قَدْ كُفُوهُ مِنْ صِفَةِ الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا تَعَنُّتًا مِنْهُمْ بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ الَّذِي كَانُوا أَظْهَرُوا لَهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ عَنِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِمْ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}

عَاقَبَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ خَصَّ بِذِبْحِ مَا كَانَ أَمَرَهُمْ بِذَبْحِهِ مِنَ الْبَقَرِ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا دُونَ نَوْعٍ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِذْ سَأَلُوهُ فَقَالُوا: مَا هِيَ صِفَتُهَا وَمَا حِلْيَتُهَا؟ حَلِّهَا لَنَا لِنَعْرِفَهَا قَالَ: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} ""

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {لَا فَارِضٌ}

لَا مُسِنَّةٌ هَرِمَةٌ، يُقَالُ مِنْهُ: فَرَضَتِ الْبَقَرَةُ تَفْرِضُ فُرُوضًا، يَعْنِي بِذَلِكَ أَسَنَّتْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت