فهرس الكتاب

الصفحة 1229 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ

فَقَالَ بَعْضُهُمْ" {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} "

يَقُولُ: لِيَحْذَرَ مَنْ بَعْدَهُمْ عُقُوبَتِي {وَمَا خَلْفَهَا}

يَقُولُ: الَّذِينَ كَانُوا بَقُوا مَعَهُمْ""

وَقَالَ آخَرُونَ" {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} "

أَيْ مِنَ الْقُرَى""

وَقَالَ آخَرُونَ {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا}

مِنْ ذُنُوبِ الْقَوْمِ {وَمَا خَلْفَهَا}

أَيْ لِلْحِيتَانِ الَّتِي أَصَابُوا""

وعَنْ مُجَاهِدٍ:" {نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} "

يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْهَا مَا مَضَى مِنْ خَطَايَاهُمْ {وَمَا خَلْفَهَا}

خَطَايَاهُمُ الَّتِي هَلَكُوا بِهَا""

وَقَالَ آخَرُونَ: أَمَّا مَا بَيْنَ يَدَيْهَا: فَمَا سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِمْ {وَمَا خَلْفَهَا}

فَمَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ أَنْ يَعْصُوا فَيَصْنَعَ اللَّهُ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ""

وَقَالَ آخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"قَوْلُهُ {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} "

يَعْنِي الْحِيتَانَ جَعَلَهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا {وَمَا خَلْفَهَا}

مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي عَمِلُوا قَبْلَ الْحِيتَانِ، وَمَا عَمِلُوا بَعْدَ الْحِيتَانِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} ""

وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْهَاءَ وَالْأَلِفَ فِي قَوْلِهِ: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا}

بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْعُقُوبَةِ وَالْمَسْخَةِ الَّتِي مُسِخَهَا الْقَوْمُ أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا يُحَذِّرُ خَلْقَهُ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ. وَبِذَلِكَ يُخَوِّفُهُمْ. وَفِي إِبَانَتِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {نَكَالًا}

أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْعُقُوبَةَ الَّتِي أَحَلَّهَا بِالْقَوْمِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}

فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا الَّتِي أَحْلَلْنَاهَا بِهِمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي.

وَإِذَا كَانَتِ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْخَةِ وَالْعُقُوبَةِ أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ الْعَائِدُ فِي قَوْلِهِ: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}

مِنَ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: {فَجَعَلْنَاهَا}

أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونِ مِنْ غَيْرِهِ.

فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا لَهُمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ مَسْخَنَا إِيَّاهُمْ وَعُقُوبَتَنَا لَهُمْ، وَلِمَا خَلَفَ عُقُوبَتَنَا لَهُمْ مِنْ أَمْثَالِ ذُنُوبِهِمْ، أَنْ يَعْمَلَ بِهَا عَامِلٌ، فَيُمْسَخُوا مِثْلَ مَا مُسِخُوا، وَأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ؛ تَحْذِيرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ أَنْ يَأْتُوا مِنْ مَعَاصِيهِ مِثْلَ الَّذِي أَتَى الْمَمْسُوخُونَ فَيُعَاقَبُوا عُقَوبَتَهُمْ.

وَأَمَّا الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: {فَجَعَلْنَاهَا}

يَعْنِي الْحِيتَانَ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ مِنْ ذُنُوبِ الْقَوْمِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ فِي الِانْتِزَاعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحِيتَانَ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ فَيُقَالُ: {فَجَعَلْنَاهَا}

فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَرَى لِلْحِيتَانِ ذِكْرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُكَنِّي عَنِ الِاسْمِ وَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتْرَكَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولُ بِهِ ظَاهِرٌ فِي الْخِطَابِ وَالتَّنْزِيلِ إِلَى بَاطِنٍ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَلَا خَبَرَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْقُولٌ وَلَا فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ إِجْمَاعٌ مُسْتَفِيضٌ.

وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْقُرَى وَمَا خَلْفَهَا، فَيَنْظُرُ إِلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ وَمَا خَلْفَهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَوْعِظَةً}

وَالْمَوْعِظَةُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَعَظْتُ الرَّجُلَ أَعِظُهُ وَعْظًا وَمَوْعِظَةً: إِذَا ذَكَرْتُهُ فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، وَتَذْكِرَةً لِلْمُتَّقِينَ، لِيَتَّعِظُوا بِهَا، وَيَعْتَبِرُوا، وَيَتَذَكَّرُوا بِهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {لِلْمُتَّقِينَ}

وَأَمَّا الْمُتَّقُونَ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} "

يَقُولُ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ. وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي.

فَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَحَلَّ بِالَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ مِنْ عُقُوبَتِهِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً وَعِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت