قِيلَ: عَنَى بِالْإِيمَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الصَّلَاةَ.
قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ التَّصْدِيقُ، وَأَنَّ التَّصْدِيقَ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ وَبِالْفِعْلِ وَحْدَهُ وَبِهِمَا جَمِيعًا؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}
عَلَى مَا تَظَاهَرْتُ بِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَنَّهُ الصَّلَاةُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ تَصْدِيقَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِصَلَاتِكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَنْ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْكُمْ تَصْدِيقًا لِرَسُولِي، وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِي، وَطَاعَةً مِنْكُمْ لِي. قَالَ: وَإِضَاعَتُهُ إِيَّاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَوْ أَضَاعَهُ تَرْكُ إِثَابَةِ أَصْحَابِهِ وَعَامِلِيهِ عَلَيْهِ، فَيَذْهَبُ ضَيَاعًا وَيَصِيرُ بَاطِلًا كَهَيْئَةِ إِضَاعَةِ الرَّجُلِ مَالَهُ، وَذَلِكَ إِهْلَاكُهُ إِيَّاهُ فِيمَا لَا يَعْتَاضُ مِنْهُ عِوَضًا فِي عَاجِلٍ وَلَا آجِلٍ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبْطُلُ عَمَلُ عَامَلٍ عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وَهُوَ لَهُ طَاعَةٌ فَلَا يُثِيبُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ نُسِخَ ذَلِكَ الْفَرْضُ بَعْدَ عَمَلِ الْعَامِلِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ عَمَلِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}
فَأَضَافَ الْإِيمَانَ إِلَى الْأَحْيَاءِ الْمُخَاطَبِينَ، وَالْقَوْمُ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانُوا أَشْفَقُوا عَلَى إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟
قِيلَ: إِنَّ الْقَوْمَ، وَإِنْ كَانُوا أَشْفَقُوا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا قَدْ كَانُوا مُشْفِقِينَ مِنْ حُبُوطِ ثَوَابِ صَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلُّوهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَظَنُّوا أَنَّ عَمَلَهُمْ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ وَذَهَبَ ضَيَاعًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَئِذٍ، فَوَجَّهَ الْخِطَابَ بِهَا إِلَى الْأَحْيَاءِ، وَدَخَلَ فِيهِمُ الْمَوْتَى مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْخَبَرِ الْمُخَاطَبِ وَالْغَائِبِ أَنْ يُغَلِّبُوا الْمُخَاطَبَ، فَيَدْخُلُ الْغَائِبُ فِي الْخَطَّابِ، فَيَقُولُوا لِرَجُلٍ خَاطِبُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْهُ، وَعَنْ آخَرَ غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ: فَعَلْنَا بِكُمَا وَصَنَعْنَا بِكُمَا كَهَيْئَةِ خِطَابِهِمْ لَهُمَا وَهُمَا حَاضِرَانِ، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا: فَعَلْنَا بِهِمَا وَهُمْ يُخَاطِبُونَ أَحَدَهُمَا فَيَرُدُّوا الْمُخَاطَبَ إِلَى عِدَادِ الْغَيْبِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}
إِنَّ اللَّهَ بِجَمِيعِ عِبَادِهِ ذُو رَأْفَةٍ. وَالرَّأْفَةُ أَعْلَى مَعَانِي الرَّحْمَةِ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا الرَّحِيمُ، فَإِنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أَنْ يُضَيِّعَ لَهُمْ طَاعَةً أَطَاعُوهُ بِهَا فَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا، وَأَرْأَفُ بِهِمْ مِنْ أَنْ يُؤَاخِذَهُمْ بِتَرْكِ مَا لَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ. أَيْ وَلَا تَأْسَوْا عَلَى مَوْتَاكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنِّي لَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّايَ بِصَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلُّوهَا كَذَلِكَ مُثِيبٌ، لِأَنِّي أَرْحَمٌ بِهِمْ مِنْ أَنْ أُضَيِّعَ لَهُمْ عَمَلًا عَمِلُوهُ لِي، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي غَيْرُ مُؤَاخِذُهُمْ بِتَرْكِهِمُ الصَّلَاةَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ فَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَرْأَفُ بِخُلُقِي مِنْ أَنْ أُعَاقِبَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ مَا لَمْ آمُرُهُمْ بِعَمَلِهِ. وَفِي الرَّءُوفِ لُغَاتٌ: إِحْدَاهَا «رَؤُفٌ» عَلَى مِثَالِ «فَعُلٌ» كَمَا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ:
[البحر الوافر]
وَشَرُّ الطَّالِبِينَ وَلَا تَكُنْهُ ... بِقَاتِلِ عَمِّهِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمُ
وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْأُخْرَى «رَءُوفٌ» عَلَى مِثَالِ «فَعُولٌ» ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ. وَ «رَئِفٌ» وَهِيَ لُغَةُ غَطَفَانَ، عَلَى مِثَالِ «فَعِلٌ» مِثْلَ «حَذِرٌ» . وَ «رَأْفٌ» عَلَى مِثَالِ «فَعْلٌ» بَجَزْمِ الْعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَنِي أَسَدٍ.
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ.