فهرس الكتاب

الصفحة 4732 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(210)}

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: هَلْ يَنْظُرُ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَالْمَلَائِكَةُ.

ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ {وَالْمَلَائِكَةُ}

فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}

بِالرَّفْعِ عَطْفًا بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، عَلَى مَعْنَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ.

عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ:"فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ» قَالَ: تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَيَأْتِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا شَاءَ"

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ:"وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) كَقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} "

وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ» بِالْخَفْضِ عَطْفًا بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى الظُّلَلِ؛ بِمَعْنَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَفِي الْمَلَائِكَةِ.

وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ «ظُلَلٍ» ، فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ: «فِي ظُلَلٍ» ، وَبَعْضُهُمْ: «فِي ظِلَالٍ» .

فَمَنْ قَرَأَهَا «فِي ظُلَلٍ» ، فَإِنَّهُ وَجَّهَهَا إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ ظُلَّةٍ، وَالظُّلَّةُ تُجْمَعُ ظُلَلٌ وَظِلَالٌ، كَمَا تُجْمَعُ الْخُلَّةَ خُلَلٌ وَخِلَالٌ، وَالْجُلَّةُ جُلَلٌ وَجِلَالٌ.

وَأَمَّا الَّذِي قَرَأَهَا فِي ظِلَالٍ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا جَمْعَ ظُلَّةٍ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ جَمْعِهِمُ الْخُلَّةَ خِلَالٌ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَارِئُهُ كَذَلِكَ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَمْعُ ظِلٍّ، لِأَنَّ الظُّلَّةَ وَالظِّلَّ قَدْ يُجْمَعَانِ جَمِيعًا ظِلَالًا.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}

لِخَبَرٍ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الْغَمَامِ طَاقَاتٌ يَأْتِي اللَّهُ فِيهَا مَحْفُوفًا» فَدَلَّ بِقَوْلِهِ طَاقَاتٍ عَلَى أَنَّهَا ظُلَلٌ لَا ظِلَالٌ، لِأَنَّ وَاحِدَ الظُّلَلِ ظُلَّةٌ، وَهِيَ الطَّاقُ. وَاتِّبَاعًا لِخَطِّ الْمُصْحَفِ. وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ مَا اتَّفَقَتْ مَعَانِيهِ وَاخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ الْقُرَّاءُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ دَلَالَةٌ تَنْفَصِلُ بِهَا مِنَ الْأُخْرَى غَيْرَ اخْتِلَافِ خَطِّ الْمُصْحَفِ، فَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تُؤْثَرَ قِرَاءَتُهُ مِنْهَا مَا وَافَقَ رَسْمَ الْمُصْحَفِ.

وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي: {وَالْمَلَائِكَةُ}

فَالصَّوَابُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا بِهَا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مَعْنَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَإِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ؛ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِيَهُمْ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}

وَقَالَ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}

فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى امْرِئٍ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}

فَظَنَّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْلِهِ {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}

إِذْ كَانَ قَوْلُهُ «وَالْمَلَائِكَةُ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِلَفْظِ جَمْعٍ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ. فَإِنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الظَّانِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَكَ فِي قَوْلِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ}

بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَمَعْنَى الْمَلَائِكَةِ، وَالْعَرَبُ تَذْكُرُ الْوَاحِدَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، فَتَقُولُ: فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وَالدِّينَارِ، يُرَادُ بِهِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، وَهَلَكَ الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ بِمَعْنَى جَمَاعَةِ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْمَلَكُ}

بِمَعْنَى الْمَلَائِكَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت