فهرس الكتاب

الصفحة 2144 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(112)}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ}

أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ الزَّاعِمُونَ {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}

وَلَكِنْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ، فَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُهَا وَيَنْعَمُ فِيهَا

وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى {بَلَى}

فِيمَا مَضَى قَبْلُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي بِإِسْلَامِ الْوَجْهِ التَّذَلُلَ لِطَاعَتِهِ وَالْإِذْعَانِ لِأَمْرِهِ.

وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ: الِاسْتِسْلَامُ؛ لِأَنَّهُ مِنِ اسْتَسْلَمْتُ لِأَمْرِهِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ لِأَمْرِهِ.

وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا بِخُضُوعِ جَوَارِحِهِ لِطَاعَةِ رَبِّهِ

وَخَصَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}

بِإِسْلَامِ وَجْهِهِ لَهُ دُونَ سَائِرِ جَوَارِحِهِ؛ لِأَنَّ أَكْرَمَ أَعْضَاءِ ابْنِ آدَمَ وَجَوَارِحِهِ وَجْهُهُ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا عَلَيْهِ حُرْمَةً وَحَقًّا، فَإِذَا خَضَعَ لِشَيْءٍ وَجْهُهُ الَّذِي هُوَ أَكْرَمُ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ عَلَيْهِ فَغَيْرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ أَخْضَعَ لَهُ. وَلِذَلِكَ تَذْكُرُ الْعَرَبُ فِي مَنْطِقِهَا الْخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ فَتُضِيفُهُ إِلَى وَجْهِهِ وَهِيَ تَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَ الشَّيْءِ وَعَيْنَهُ، كَقَوْلِ الْأَعْشَى:

[البحر السريع]

أُؤَوِّلُ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهِهِ ... لَيْسَ قَضَائِي بِالْهَوَى الْجَائِرِ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «عَلَى وَجْهِهِ» : عَلَى مَا هُوَ بِهِ مِنْ صِحَّتِهِ وَصَوَابِهِ. وَكَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

[البحر الطويل]

فَطَاوَعْتُ هَمِّي وَانْجَلَى وَجْهُ بَازِلٍ ... مِنَ الْأَمْرِ لَمْ يَتْرُكْ خِلَاجًا بُزُولُهَا

يُرِيدُ: «وَانْجَلَى الْبَازِلُ مِنَ الْأَمْرِ فَتَبَيَّنَ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إِذْ كَانَ حُسْنُ كُلِّ شَيْءٍ وَقُبْحُهُ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ فِي وَصْفِهَا مِنَ الشَّيْءِ وَجْهَهُ بِمَا تَصِفُهُ بِهِ إِبَانَةٌ عَنْ عَيْنِ الشَّيْءِ وَنَفْسِهِ. فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}

إِنَّمَا يَعْنِي: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِلَّهِ بُدْنَهُ، فَخَضَعَ لَهُ بِالطَّاعَةِ جَسَدُهُ {وَهُوَ مُحْسِنٌ}

فِي إِسْلَامِهِ لَهُ جَسَدُهُ {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}

فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْوَجْهِ مِنْ ذِكْرِ جَسَدِهِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ بِذِكْرِ الْوَجْهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَهُوَ مُحْسِنٌ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ فِي حَالِ إِحْسَانِهِ. وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: بَلَى مَنْ أَخْلَصَ طَاعَتَهُ لِلَّهِ وَعِبَادَتَهُ لَهُ مُحْسِنًا فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}

فَلِلْمُسْلِمِ وَجْهَهُ لِلَّهِ مُحْسِنًا جَزَاؤُهُ وَثَوَابُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ وَطَاعَتِهِ رَبَّهُ عِنْدَ اللَّهِ فِي مَعَادِهِ.

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}

عَلَى الْمُسْلِمِينَ وجُوهَهُمْ لِلَّهِ وَهُمْ مُحْسِنُونَ، الْمُخْلَصِينَ لَهُ الدِّينَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عِقَابِهِ وَعَذَابِ جَحِيمِهِ، وَمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَنْ يُمْنَعُوا مَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ نَعِيمِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ.

وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

وَقَدْ قَالَ قَبْلُ: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}

لِأَنَّ «مَنْ» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}

فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعْنَى جَمِيعٍ، فَالتَّوْحِيدُ فِي قَوْلِهِ: {فَلَهُ أَجْرُهُ}

لِلَّفْظِ، وَالْجَمْعُ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}

لِلْمَعْنَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت