فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 6201

القول في تأويل{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1)}

القول في تأويل قوله: {بِسْمِ} .

قال أبو جعفر: إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل:"بسم الله"، على من بطن من مراده الذي هو محذوف.

وذلك أن الباء من"بسم الله"مقتضية فعلا يكون لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغنت سامعَ القائل"بسم الله"معرفتُه بمراد قائله، عن إظهار قائل ذلك مُرادَه قولا إذْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرًا، قد أحضرَ منطقُه به - إمّا معه، وإمّا قبله بلا فصْلٍ - ما قد أغنى سامِعَه عن دلالةٍ شاهدةٍ على الذي من أجله افتتح قِيلَه به. فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظيرَ استغنائه - إذا سمع قائلا قيل له: ما أكلت اليوم؟ فقال:"طعامًا"- عن أن يكرّر المسئُولُ مع قوله"طعامًا"، أكلت، لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه، بتقدُّم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذًا أنّ قول

القائل إذا قال:"بسم الله الرحمن الرحيم"ثم افتتح تاليًا سورةً، أن إتباعه"بسم الله الرحمن الرحيم"تلاوةَ السورة، يُنبئ عن معنى قوله:"بسم الله الرحمن الرحيم"ومفهومٌ به أنه مريد بذلك: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك قوله:"بسم الله"عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبئ عن معنى مراده بقوله"بسم الله"، وأنه أراد بقِيلِه"بسم الله"، أقوم باسم الله، وأقعد باسم الله. وكذلك سائر الأفعال.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويلُ قوله"بسم الله"ما وصفتَ، والجالبُ الباءَ في"بسم الله"ما ذكرتَ، فكيف قيل"بسم الله"، بمعنى أقرأ باسم الله "، أو أقوم أو أقعد باسم الله؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ الله، فبعَوْن الله وتوفيقه قراءتُه، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعلٍ فعلا فبالله قيامُه وقعودُه وفعلُه. وهَلا - إذْ كان ذلك كذلك - قيل"بسم الله الرحمن الرحيم"ولم يَقُل"بسم الله"؟ فإن قول القائل: أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم، أو أقرأ بالله - أوضحُ معنى لسامعه من قوله"بسم الله"، إذ كان قوله أقوم " أقوم أو أقعد باسم الله"، يوهم سامعَه أن قيامه وقعوده بمعنى غيرِ الله."

قيل له، وبالله التوفيق: إن المقصودَ إليه من معنى ذلك غيرُ ما توهَّمته في نفسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت