فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 6201

8 -(قاعدة: في أن التأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن، من قولٍ لا دلالةَ على صحته من أصل ولا نظير)

قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) }

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ:

فَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلَاءِ بَعْدُ.

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ.

أما (لا تفسدوا في الأرض) فإن الفساد، هو الكفر والعملُ بالمعصية.

عَنِ الرَّبِيعِ:" {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} يَقُولُ: لَا تَعْصُوا فِي الْأَرْضِ. قَالَ: فَكَانَ فَسَادُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لِأَنَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِي الْأَرْضِ أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ إِصْلَاحَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِالطَّاعَةِ"

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ صِفَتِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ سَلْمَانَ عِنْدَ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ: مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ بَعْدُ، أَنْ يَكُونَ قَالَهُ بَعْدَ فَنَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا مِنْهُ عَمَّنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَهُمْ وَلَمَّا يَجِئْ بَعْدُ، لَا أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَحَدٌ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ مَا ذَكَرْنَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ مَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ فِيهِمْ نَزَلَتْ.

وَالتَّأْوِيلُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلٍ لَا دَلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ أَصْلٍ وَلَا نَظِيرٍ.

وقَالَ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْفَضْلِ: أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ فِي نَحْوِهِ مِثْلُ الَّذِي لِلْآخَرِ فِي نَحْوِهِ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا نَسْتَجِيزُ التَّشَاغُلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَحَسْبُ قَوْلٍ بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ دَلَالَةً عَلَى خَطَئِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت