الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}
بِفَتْحِ الرَّاءِ بِتَأْوِيلِ (لَا تُضَارِرْ) عَلَى وَجْهِ
النَّهْيِ وَمَوْضِعُهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ جَزْمٌ، غَيْرَ أَنَّهُ حُرِّكَ إِذْ تُرِكَ التَّضْعِيفُ بِأَخَفِّ الْحَرَكَاتِ وَهُوَ الْفَتْحُ، وَلَوْ حُرِّكَ إِلَى الْكَسْرِ كَانَ جَائِزًا إِتْبَاعًا لِحَرَكَةِ لَامِ الْفِعْلِ حَرَكَةَ عَيْنِهِ، وَإِنْ شِئْتَ فَلِأَنَّ الْجَزْمَ إِذَا حُرِّكَ حُرِّكَ إِلَى الْكِسَرِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: «لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا» رَفْعٌ وَمَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَمِلْ قِرَاءَتُهُ مَعْنَى النَّهْيِ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ بِالْخَبَرِ عَطْفًا بِقَوْلِهِ {لَا تُضَارُّ}
عَلَى قَوْلِهِ: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى مَنْ رَفَعَ لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا هَكَذَا فِي الْحُكْمِ، أَنَّهُ لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، أَيْ مَا يَنْبَغِي أَنْ تُضَارَّ، فَلَمَّا حُذِفَتْ «يَنْبَغِي» وَصَارَ «تُضَارُّ» فِي وَضْعِهِ صَارَ عَلَى لَفْظِهِ، وَاسْتُشْهِدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
عَلَى الْحَكَمِ الْمَأْتِيِّ يَوْمًا إِذَا قَضَى ... قَضِيَّتَهُ أَنْ لَا يَجُورَ وَيَقْصِدُ
فَزَعَمَ أَنَّهُ رَفَعَ يَقْصِدُ بِمَعْنَى يَنْبَغِي وَالْمَحْكِيُّ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا غَيْرُ الَّذِي قَالَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُمْ سَمَاعًا فَتَصْنَعُ مَاذَا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا: فَتُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ مَاذَا؟ فَيَنْصِبُونَهُ بِنِيَّةِ «أَنْ» ؛ وَإِذَا لَمْ يَنْوُوا «أَنْ» وَلَمْ يُرِيدُوهَا، قَالُوا: فَتُرِيدُ
مَاذَا، فَيَرْفَعُونَ تُرِيدُ، لِأَنَّ لَا جَالِبٌ لِـ «أَنْ» قَبْلَهُ، كَمَا كَانَ لَهُ جَالِبٌ قَبْلَ تَصْنَعُ، فَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا تُضَارُّ إِذَا قُرِئَ رَفْعًا بِمَعْنَى: يَنْبَغِي أَنْ لَا تُضَارَّ، أَمَا مَا يَنْبَغِي أَنَّ تُضَارَّ، ثُمَّ حَذَفَ يَنْبَغِي وَأَنْ، وَأُقِيمَ تُضَارُّ مَقَامَ يَنْبَغِي لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقْرَأَ إِذَا قُرِئَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى نَصْبًا لَا رَفْعًا، لِيُعْلَمَ بِنَصْبِهِ الْمَتْرُوكَ قَبْلَهُ الْمَعْنِيُّ بِالْمُرَادِ، كَمَا فَعَلَ بِقَوْلِهِ فَتَصْنَعُ مَاذَا، وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا إِذَا رَفَعَ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى لَا تُكَلَّفُ لَيْسَتْ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا، وَلَيْسَتْ تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي دِينِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ وَأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ، لِأَنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيِ الْمَوْلُودِ عَنْ مُضَارَّةِ صَاحِبِهِ لَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا لَكَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمَا ضِرَارُهُمَا بِهِ كَذَلِكَ.
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} "
لَا تَأْبَى أَنْ تُرْضِعُهُ لِيَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى أَبِيهِ، وَلَا يُضَارَّ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ، فَيَمْنَعُ أُمَّهُ أَنْ تُرْضِعَهُ لِيُحْزِنَهَا""
وعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ:" {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} "
قَالَ: نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الضِّرَارِ وَقَدَّمَ فِيهِ، فَنَهَى اللَّهُ أَنْ يُضَارَّ الْوَالِدُ فَيَنْتَزِعُ الْوَلَدَ مِنْ أُمِّهِ إِذَا كَانَتْ رَاضِيَةً بِمَا كَانَ مُسْتَرْضِعًا بِهِ غَيْرَهَا، وَنُهِيَتِ الْوَالِدَةُ أَنْ تَقْذِفَ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ ضِرَارًا""
وقَالَ ابْنُ شِهَابٍ، والْوَالِدَاتُ أَحَقُّ بِرَضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ مَا قَبِلْنَ رَضَاعَهُنَّ بِمَا يُعْطَى غَيْرُهُنَّ مِنَ الْأَجْرِ، وَلَيْسَ لِلْوَالِدَةِ أَنَّ تُضَارَّ بِوَلَدِهَا فَتَأْبَى رَضَاعَهُ مُضَارَّةً، وَهِيَ تُعْطَى عَلَيْهِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا مِنَ الْأَجْرِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ وَلَدَهُ مِنْ وَالِدَتَهُ مُضَارًّا لَهَا وَهِيَ تَقْبَلُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُعْطَاهُ غَيْرُهَا""