وَقَوْلُهُ: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً}
تَكْذِيبٌ مِنَ اللَّهِ الْقَائِلِينَ مِنَ الْيَهُودِ: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً}
وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ أَشْرَكَ وَكَفَرَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ وَأَحَاطَتْ بِهِ ذُنُوبُهُ فَمُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَسْكُنُهَا إِلَّا أَهْلُ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَهْلُ الطَّاعَةِ لَهُ، وَالْقَائِمُونَ بِحُدُودِهِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} "
أَيْ مَنْ عَمِلَ مِثْلَ أَعْمَالِكُمْ وَكَفَرَ بِمِثْلِ مَا كَفَرْتُمْ بِهِ حَتَّى يُحِيطَ كُفْرُهُ بِمَا لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ""
قَالَ: وَأَمَّا {بَلَى}
فَإِنَّهَا إِقْرَارٌ فِي كُلِّ كَلَامٍ فِي أَوَّلِهِ جَحْدٌ، كَمَا نَعَمْ إِقْرَارٌ فِي الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي لَا جَحْدَ فِيهِ، وَأَصْلُهَا بَلْ الَّتِي هِيَ رُجُوعٌ عَنِ الْجَحْدِ الْمَحْضِ فِي قَوْلِكَ: مَا قَامَ عَمْرٌو بَلْ زَيْدٌ؛ فَزَيْدٌ فِيهَا الْيَاءُ لِيَصْلُحَ عَلَيْهَا الْوُقُوفُ، إِذْ كَانَتْ بَلْ لَا يَصْلُحُ عَلَيْهَا الْوُقُوفُ، إِذْ كَانَتْ عَطْفًا وَرُجُوعًا عَنِ الْجَحْدِ، وَلِتَكُونَ، أَعْنِي بَلَى، رُجُوعًا عَنِ الْجَحْدِ فَقَطْ، وَإِقْرَارًا بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ الْجَحْدِ؛ فَدَلَّتِ الْيَاءُ مِنْهَا عَلَى مَعْنَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْعَامِ، وَدَلَّ لَفْظُ (بَلَى) عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْجَحْدِ. قَالَ: وَأَمَّا السَّيِّئَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَإِنَّهَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ.
وعَنِ السُّدِّيِّ:" {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} "
أَمَّا السَّيِّئَةُ فَهِيَ الذُّنُوبُ الَّتِي وَعَدَ عَلَيْهَا النَّارَ""
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ السَّيِّئَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مَنْ كَسَبَهَا وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِهَا بَعْضَ السَّيِّئَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا فِي التِّلَاوَةِ عَامًّا، لِأَنَّ اللَّهَ قَضَى عَلَى أَهْلِهَا بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ دُونَ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ لَا يُخَلَّدُونَ فِيهَا، وَأَنَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ دُونَ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ قَرَنَ بِقَوْلِهِ: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ لَهُمُ الْخُلُودُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ السَّيِّئَاتِ، غَيْرُ الَّذِي لَهُمُ الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الَّذِينَ لَهُمُ الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا هُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ دُونَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، فَإِنَّ فِي إِخْبَارِ اللَّهِ أَنَّهُ مُكَفِّرٌ بِاجْتِنَابِنَا كَبَائِرَ مَا نُنْهَى عَنْهُ سَيِّئَاتِنَا، وَمُدْخِلُنَا الْمُدْخَلَ الْكَرِيمَ، مَا يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً}
بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى خَاصٍّ مِنَ السَّيِّئَاتِ دُونَ عَامِّهَا.