يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}
إِلَى غَيْرِهِ، فَنُبَدِّلُهُ وَنُغَيِّرُهُ. وَذَلِكَ أَنْ يُحَوِّلَ الْحَلَالَ حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا، وَالْمُبَاحَ مَحْظُورًا وَالْمَحْظُورَ مُبَاحًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالِإْطَلَاقِ وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ، فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَلَا يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ. وَأَصْلُ النَّسْخِ مِنْ «نَسَخَ الْكِتَابَ» وَهُوَ نَقَلَهُ مِنْ نُسْخَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرَهَا، فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسَخَ الْحُكْمَ إِلَى غَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ تَحْوِيلُهُ وَنَقْلُ عِبَارَتِهِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْآيَةِ فَسَوَاءٌ - إِذَا نُسِخَ حُكْمُهَا فَغُيِّرَ وَبُدِّلَ فَرْضُهَا وَنُقِلَ فَرْضُ الْعِبَادِ عَنِ اللَّازِمِ كَانَ لَهُمْ بِهَا - أَأُقِرَّ خَطُّهَا فَتُرِكَ، أَوْ مُحِيَ أَثَرُهَا،
فَعُفِيَ وَنُسِيَ، إِذْ هِيَ حِينَئِذٍ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَةٌ. وَالْحُكْمُ الْحَادِثُ الْمُبْدَلُ بِهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَالْمَنْقُولُ إِلَيْهِ فَرْضُ الْعِبَادِ هُوَ النَّاسِخُ، يُقَالُ مِنْهُ: نَسَخَ اللَّهُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا يَنْسَخُهُ نَسْخًا، وَالنُّسْخَةُ الِاسْمُ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ" {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} "
أَمَّا نَسْخُهَا فَقَبْضُهَا""
وَقَالَ آخَرُونَ"قَوْلُهُ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} "
يَقُولُ: مَا نُبَدِّلُ مِنْ آيَةٍ""
وَقَالَ آخَرُونَ" {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} "
نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا""