أقول: من خلال رحلتي مع هذا السِّفْر العظيم الممتلئ بالفوائد، والمشحون بالدرر والفرائد، فقد وفقني الله - تعالى - لاستخراج بعض النكات الرائقة، والقواعد الفائقة، والتي ينبغي أن تكون نبراسا ساطعا، وضياء لامعا، لمن خاض بحار التفسير، وسلك درب التأويل.
وأهمها ما يلي:
1 - (قاعدة: في أن الْقَائِلُ فِي تَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَمُخْطِئٌ وَإِنْ وَافَقَ قِيلُهُ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعْنَاهُ)
قَالَ - رحمه الله - عِنْدَ ذِكْرِهِ لِبَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ - ما نصه:
وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ شَاهِدَةٌ لَنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، مِنْ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ، إِلَّا بِنَصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِنَصْبِهِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ، فَغَيَّرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الْقِيلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ، بَلِ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِيهِ، فَمُخْطِئٌ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ بِقِيلِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ، لِأَنَّ إِصَابَتَهُ لَيْسَتْ إِصَابَةَ مُوقِنٍ أَنَّهُ مُحِقٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ إِصَابَةُ خَارِصٍ وَظَانٍّ، وَالْقَائِلُ فِي دَيْنِ اللَّهِ بِالظَّنِّ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَقَالَ: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]
فَالْقَائِلُ فِي تَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بَيَانَهُ، قَائِلٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَإِنْ وَافَقَ قِيلُهُ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْقَائِلَ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.