الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ
عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ:" {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} "
قَالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ؛ أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْلِهِ: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا}
يَعْنِي الشَّمْسَ إِذَا تَبِعَهَا الْقَمَرُ""
وعَنِ الْحَسَنِ:" {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} "
قَالَ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ، وَيَكِلُونَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ إِلَى عَالِمِهِ""
وعَنْ قَتَادَةَ:" {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} "
قَالَ: أَحَلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرَّمُوا حَرَامَهُ، وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ""
وَقَالَ آخَرُونَ {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}
يَقْرَءُونَهُ حَقَّ قِرَاءَتِهِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَا زِلْتُ أَتْلُو أَثَرَهُ، إِذَا اتُّبِعَ أَثَرُهُ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ وَبِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِي، يَتَّبِعُونَ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى رَسُولِي مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيُقِرُّونَ بِمَا فِيهِ مِنْ نَعْتِكَ وَصِفَتِكَ، وَأَنَّكَ رَسُولِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ طَاعَتِي فِي الْإِيمَانِ بِكَ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي، وَيَعْمَلُونَ بِمَا أَحْلَلْتَ لَهُمْ، وَيَجْتَنِبُونَ مَا حَرَّمْتَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَلَا يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلَا يُبَدِّلُونَهُ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ كَمَا أَنْزَلْتُهُ عَلَيْهِمْ بِتَأْوِيلٍ وَلَا غَيْرِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ}
فَمُبَالَغَةٌ فِي صِفَةِ اتِّبَاعِهِمُ الْكِتَابَ وَلُزُومِهِمُ الْعَمَلَ بِهِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَعَالِمٌ حَقَّ عَالِمٍ، وَكَمَا يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَفَاضِلٌ كُلَّ فَاضِلٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي إِضَافَةِ «حَقَّ» إِلَى الْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: غَيْرُ جَائِزَةٍ إِضَافَتُهُ إِلَى مَعْرِفَةٍ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى «أَيْ» ، وَبِمَعْنَى قَوْلِكَ: أَفْضَلُ رَجُلٍ فُلَانٌ، وَأَفْعَلُ لَا يُضَافُ إِلَى وَاحِدٍ مَعْرِفَةٍ لِأَنَّهُ مُبَعَّضٌ، وَلَا يَكُونُ الْوَاحِدُ الْمُبَعَّضُ مَعْرِفَةً. فَأَحَالُوا أَنْ يُقَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَقَّ الرَّجُلِ، وَمَرَرْتُ بِالرَّجُلِ جَدَّ الرَّجُلِ، كَمَا أَحَالُوا مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ أَيِ الرَّجُلِ، وَأَجَازُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ الرَّجُلِ وَعَيْنِ الرَّجُلِ وَنَفْسِ الرَّجُلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أَجَزْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ تَوْكِيدًا، فَلَمَّا صِرْنَ مُدُوحًا تُرِكْنَ مُدُوحًا عَلَى أُصُولِهِنَّ فِي الْمَعْرِفَةِ. وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}
إِنَّمَا جَازَتْ إِضَافَتُهُ إِلَى التِّلَاوَةِ، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى مَعْرِفَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَعْتَدُّ بِالْهَاءِ إِذَا عَادَتْ إِلَى نَكِرَةٍ بِالنَّكِرَةِ، فَيَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ أُمِّهِ، وَنَسِيجٌ وَحْدَهُ، وَسَيِّدُ قَوْمِهِ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ}
إِنَّمَا جَازَتْ إِضَافَةُ «حَقَّ» إِلَى التِّلَاوَةِ وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى «الْهَاءِ» ، لِاعْتِدَادِ الْعَرَبِ بِ «الْهَاءِ» الَّتِي فِي نَظَائِرِهَا فِي عِدَادِ النَّكِرَاتِ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقَّ التِّلَاوَةَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَقَّ الرَّجُلِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: جَائِزَةٌ إِضَافَةُ حَقَّ إِلَى النَّكِرَاتِ مَعَ النَّكِرَاتِ، وَمَعَ الْمَعَارِفِ إِلَى الْمَعَارِفِ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ غُلَامِ الرَّجُلِ، وَبِرَجُلٍ غُلَامِ رَجُلٍ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ.
وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ}
أَيْ تِلَاوَةٍ، بِمَعْنَى مَدْحِ التِّلَاوَةِ الَّتِي تَلَوْهَا وَتَفْضِيلِهَا. وَأَيْ غَيْرُ جَائِزَةٍ إِضَافَتُهَا إِلَى وَاحِدٍ مَعْرِفَةٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَكَذَلِكَ «حَقُّ» غَيْرُ جَائِزَةٍ إِضَافَتُهَا إِلَى وَاحِدٍ مَعْرِفَةٍ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ فِي حَقِّ تِلَاوَتِهِ إِلَى مَا فِيهِ الْهَاءُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ}
هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتْلُونَ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَقَّ تِلَاوَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يُؤْمِنُونَ بِهِ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي يُصَدِّقُونَ بِهِ. وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: «بِهِ» عَائِدَةٌ عَلَى الْهَاءِ الَّتِي فِي «تِلَاوَتِهِ» ، وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ ذِكْرِ الْكِتَابِ الَّذِي قَالَهُ اللَّهُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}
فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِالتَّوْرَاةِ هُوَ الْمُتَّبِعُ مَا فِيهَا مِنْ حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا، وَالْعَامِلُ بِمَا فِيهَا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَهَا فِيهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ أَهْلَهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتُهُ دُونَ مَنْ كَانَ مُحَرِّفًا لَهَا مُبَدِّلًا تَأْوِيلَهَا مُغَيِّرًا سُنَنَهَا تَارِكًا مَا فَرَضَ اللَّهُ فِيهَا عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ وَصَفَ بِمَا وَصَفَ بِهِ مِنْ مُتَّبِعِي التَّوْرَاةِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِمَا أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِي اتِّبَاعِهَا اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِ، لِأَنَّ التَّوْرَاةَ تَأْمُرُ أَهْلَهَا بِذَلِكَ وَتُخْبِرُهُمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِنُبُوَّتِهِ وَفَرْضِ طَاعَتِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَإِنَّ فِي التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ التَّكْذِيبَ لَهَا. فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مُتَّبِعِي التَّوْرَاةَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمُ الْعَامِلُونَ بِمَا فِيهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ}
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ يَتْلُوهُ مَنْ آتَاهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَكْفُرْ}
يَجْحَدُ مَا فِيهِ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَصْدِيقِهِ، وَيُبَدِّلُهُ، فَيُحَرِّفُ تَأْوِيلَهُ؛ أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا عِلْمَهُمْ وَعَمَلَهُمْ فَبَخَسُوا أَنْفُسَهُمْ حُظُوظَهَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا سَخَطَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:" {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} "
قَالَ: مَنْ كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودٍ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}