اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}
وَفِي مَعْنَى اللَّغْوِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَاهُ: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِمَا سَبَقَتْكُمْ بِهِ أَلْسِنَتُكُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ عَلَى عَجَلَةٍ وَسُرْعَةٍ، فَيُوجِبُ عَلَيْكُمْ بِهِ كَفَّارَةً إِذَا لَمْ تَقْصُدُوا الْحَلِفَ وَالْيَمِينَ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: فَعَلَ هَذَا وَاللَّهِ، أَوِ أفْعَلُهُ وَاللَّهِ، أَوْ لَا أَفْعَلُهُ وَاللَّهِ، عَلَى سُبُوقِ الْمُتَكَلِّمِ بِذَلِكَ لِسَانَهُ بِمَا وَصَلَ بِهِ كَلَامَهُ مِنَ الْيَمِينِ.
عَنْ عَائِشَةَ،" {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} "
قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، يَصِلُ بِهَا كَلَامَهُ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ: الْيَمِينُ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْحَالِفُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ غَيْرُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ بِخِلَافِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ
عَنِ الْحَسَنِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ:" {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} "
قَالَ: هُوَ أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ وَأَنْتَ يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّهُ كَمَا حَلَفْتَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَكِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ، وَالْكَفَّارَةَ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ عَلَى عِلْمٍ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا صَاحِبِهَا فِي حَالِ الْغَضَبِ عَلَى غَيْرِ عَقْدِ قَلْبٍ وَلَا عَزْمٍ، وَلَكِنْ وُصْلَةً لِلْكَلَامِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَغْوُ الْيَمِينِ: أَنْ تَحْلِفَ، وَأَنْتَ غَضْبَانُ"
وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ
مَا [روي] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمِينَ فِي غَضَبٍ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ: الْحَلِفُ عَلَى فِعْلِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَتَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ:" {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} "
قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ""
وعَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: «كُلُّ يَمِينٍ لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفِيَ بِهَا فَلَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ» وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْأَثَرِ
مَا [روي] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ فَلَا نَذْرَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَلَا يَمِينَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَا»
وَقَالَ آخَرُونَ: اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ: كُلُّ يَمِينٍ وَصَلَ الرَّجُلُ بِهَا كَلَامَهُ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ إِيجَابُهَا عَلَى نَفْسِهِ
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:"لَغْوُ الْيَمِينِ: أَنْ يِصَلَ، الرَّجُلُ كَلَامَهُ بِالْحَلِفِ، وَاللَّهِ لَيَأْكُلَنَّ، وَاللَّهِ لَيَشْرَبَنَّ، وَنَحْوَ هَذَا؛ لَا يَتَعَمَّدُ بِهِ الْيَمِينَ وَلَا يُرِيدُ بِهِ حَلِفًا، لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ"
[وعن] عَائِشَة، زَوْج النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: «أَيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْهَزْلِ، وَالْمِرَاءِ، وَالْخُصُومَةِ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ»
وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْأَثَرِ مَا [روي] عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَنْتَضِلُونَ يَعْنِي يَرْمُونَ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَرَمَى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: أَصَبْتَ وَاللَّهِ وَأَخْطَأْتَ فَقَالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَنِثَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «كَلَّا أَيْمَانُ الرُّمَاةِ لَغْوٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَلَا عُقُوبَةَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ: مَا كَانَ مِنْ يَمِينٍ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ مِنَ الْحَالِفِ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، أَوْ بِمَعْنَى الشِّرْكِ، وَالْكُفْرِ.
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ:" {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} "
قَالَ: هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أَعْمَى اللَّهُ بَصَرِي إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، أَخْرَجَنِي اللَّهُ مِنْ مَالِي إِنْ لَمْ آتِكَ غَدًا. فَهُوَ هَذَا، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ لَهُ مَالًا وَلَا وَلَدًا. يَقُولُ: لَوْ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِهَذَا لَمْ يَتْرُكْ لَكُمْ شَيْئًا""
وَقَالَ آخَرُونَ: اللَّغْوُ فِي الْأَيْمَانِ: مَا كَانَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ
عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ:" {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} "
قَالَ: الْيَمِينُ الْمُكَفِّرَةُ""
وَقَالَ آخَرُونَ: اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ: هُوَ مَا حَنِثَ فِيهِ الْحَالِفُ نَاسِيًا.