كان بعض أهل البصرة يزعم أن"لا"مع"الضالين"أدخلت تتميما للكلام، والمعنى إلغاؤها، يستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج:
فِي بِئْرِ لاحُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ
ويتأوله بمعنى: في بئر حور سرى، أي في بئر هلكة، وأن"لا"بمعنى الإلغاء والصلة. ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم:
فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا ... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمْطَ الْقَفَنْدَرَا
وهو يريد: فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص:
وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لا أُحِبَّه ... وَللَّهْوُ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ
يريد: وَيلحينني في اللهو أن أحبه، وبقوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ) [الأعراف: 12] ، يريد أن تسجد. وحُكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول"غير"التي"مع"المغضوب عليهم"، أنها بمعنى"سوى. فكأنّ معنى الكلام كانَ عنده: اهدنا الصراط المستقيمَ، صراط الذين أنعمتَ عليهم، الذين همُ سوى المغضوب والضالين.
وكان بعضُ نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله، ويزعمُ أن"غير"التي"مع المغضوب عليهم"، لو كانت بمعنى سوى، لكان خطأ أن يعطف عليها بـ"لا"، إذْ كانت"لا"لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها. كما كان خطأ قول القائل:"عندي سِوَى أخيك ولا أبيك"، لأن سِوَى ليست من حروف النفي والجحود. ويقول: لما كان ذلك خطأ في كلام العرب، وكان القرآن بأفصحِ اللغات من لغات العرب، كان معلومًا أن الذي زَعمه القائل: أن"غير"مع"المغضوب عليهم"بمعنى: سوى المغضوب عليهم، خطأ. إذ كان قد كرّ عليه الكلامَ بـ"لا". وكان يزعم أن"غير"هنالك إنما هي بمعنى الجحد. إذْ كان صحيحًا في كلام العرب، وفاشيًا ظاهرًا في منطقها توجيه"غير"إلى معنى النفي ومستعملا فيهم:"أخوك غير مُحسِن ولا مُجْمِل"، يراد بذلك أخوك لا محسن، ولا مجمل، ويَستنكرُ أن تأتي"لا"بمعنى الحذف في الكلام مُبتدأً، ولمَّا يتقدمها جحد. ويقول: لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مُبتدأ، قبل دلالة تدلّ ذلك من جحد سابق، لصحَّ قول قائل قال:"أردْتُ أن لا أكرم أخاك"، بمعنى: أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول: ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك، دلالةٌ واضحة على أنَّ"لا"تأتي مبتدأة بمعنى الحذف، ولَمَّا يتقدَّمها جحد. وكان يتأوّل في"لا"التي في بيت العجاج، الذي ذكرنا أن البصْريّ استشهد به، بقوله: إنها جَحْدٌ صحيح، وأنّ معنى البيت: سَرَى في بئر لا تُحيرُ عليه خيرًا، ولا يتبيَّن له فيها أثرُ عملٍ، وهو لا يشعُر بذلك ولا يدري به. من قولهم:"طحنت الطَّاحنة فما أحارت شيئًا"، أي لم يتبيَّن لها أثرُ عملٍ. ويقول في سائر الأبيات الأخر، أعني مثل بَيت أبي النجم::
فما ألُوم البيضَ أن لا تسخَرَا
إنما جاز أن تكون"لا"بمعنى الحذف، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام، فكان الكلام الآخر مُواصِلا للأول، كما قال الشاعر:
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمُ ... وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ
فجازَ ذلك، إذْ كان قد تقدَّم الجحدُ في أوّل الكلام.