الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ}
أَوْ أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، فَأَسْرَرْتُمُوهُ مِنْ خِطْبَتِهِنَّ، وَعَزْمِ نِكَاحِهِنَّ وَهُنَّ فِي عَدَدِهِنَّ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ إِذَا لَمْ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. يُقَالُ مِنْهُ: أَكَنَّ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ يُكِنُّهُ إِكْنَانًا، وَكَنَّهُ: إِذَا سَتَرَهُ، يَكُنُّهُ كَنًّا وَكُنُونًا، وَجَلَسَ فِي الْكِنِّ. وَلَمْ يُسْمَعْ: كَنَنْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ: كَنَنْتُهُ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ: إِذَا خَبَّأْتُهُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {كَأَنَّهُنَّ بِيضٌ مَكْنُونٌ}
أَيْ مَخْبُوءٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
ثَلَاثٌ مِنْ ثَلَاثِ قُدَامَيَاتٍ ... مِنَ اللَّائِي تَكُنُّ مِنَ الصقيعِ
وَتَكُنُّ بِالتَّاءِ هُوَ أَجْوَدُ وَيَكُنُّ، وَيُقَالُ: أَكَنَّتْهُ ثِيَابُهُ مِنَ الْبَرْدِ، وَأَكَنَّهُ الْبَيْتُ مِنَ الرِّيحِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} "
قَالَ: الْإِكْنَانُ: ذِكْرُ خِطْبَتِهَا فِي نَفْسِهِ لَا يُبْدِيهِ لَهَا، هَذَا كُلُّهُ حِلٌّ مَعْرُوفٌ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي إِبَاحَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَبَاحَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ لَهَا فِي حَالِ عِدَّتِهَا وَحَظَرَهُ التَّصْرِيحَ، مَا أَبَانَ عَنِ افْتِرَاقِ حُكْمِ التَّعْرِيضِ فِي كُلِّ مَعَانِي الْكَلَامِ وَحُكْمِ التَّصْرِيحِ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ غَيْرُ التَّصْرِيحِ بِهِ، وَأَنَّ الْحَدَّ بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ لَوْ كَانَ وَاجِبًا وُجُوبَهُ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ لَوَجَبَ مِنَ الْجَنَاحِ بِالتَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ نَظِيرَ الَّذِي يَجِبُ بِعَزْمِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ فِيهَا، وَفِي تَفْرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَيْنَ حُكَمَيْهَا فِي ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى افْتِرَاقِ أَحْكَامِ ذَلِكَ فِي الْقَذْفِ.