الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ:" {حَتَّى يَطْهُرْنَ} "
"بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا."
وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَاهُ إِلَى: وَلَا تَقْرَبُوا النِّسَاءَ فِي حَالِ حَيْضِهِنَّ حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهُنَّ دَمُ الْحَيْضِ وَيَطْهُرْنَ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا، فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ: حَتَّى يَغْتَسِلْنَ بِالْمَاءِ وَشَدَّدُوا الطَّاءَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: مَعْنَى الْكَلِمَةِ: حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (حَتَّى يَطَّهَّرْنَ) بِتَشْدِيدِهَا، وَفَتْحِهَا، بِمَعْنَى: حَتَّى يَغْتَسِلْنَ، لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِ حَيْضِهَا حَتَّى تَطْهُرَ.
وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي التَّطَهُّرِ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَأَحَلَّ لَهُ جِمَاعَهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ، وَلَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى تَغْسِلَ جَمِيعَ بَدَنِهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْوضُوءُ لِلصَّلَاةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ غَسْلُ الْفَرْجِ، فَإِذَا غَسَلَتْ فَرْجَهَا فَذَلِكَ تَطَهُّرُهَا الَّذِي يَحِلُّ بِهِ لِزَوْجِهَا غِشْيَانُهَا فَإِذَا كَانَ إِجْمَاعٌ مِنَ الْجَمِيعِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ حَتَّى تَطْهُرَ، كَانَ بَيِّنًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ أَنْفَاهُمَا لِلَبْسٍ عَنْ فَهْمٍ سَامِعِهَا، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي اخْتَرْنَا، إِذْ كَانَ فِي قِرَاءَةِ قَارِئِهَا بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا مَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ اللَّبْسُ عَلَى سَامِعِهَا مِنَ الْخَطَأِ فِي تَأْوِيلِهَا، فَيَرَى أَنَّ لِلزَّوْجِ غِشْيَانَهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِ حَيْضِهَا عَنْهَا وَقَبْلَ اغْتِسَالِهَا وَتَطَهُّرِهَا.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، قُلْ هُوَ أَذًى، فَاعْتَزِلُوا جِمَاعَ نِسَائِكُمْ فِي وَقْتِ حَيْضِهِنَّ، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ فَيَتَطَهَّرْنَ مِنْ حَيْضِهِنَّ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ}
فَإِذَا اغْتَسَلْنَ فَتَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ فَجَامِعُوهُنَّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفِفَرْضِ جِمَاعِهِنَّ حِينَئِذٍ؟
قِيلَ: لَا. فَإِنْ قَالَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا: {فَأْتُوهُنَّ}
قِيلَ: ذَلِكَ إِبَاحَةُ مَا كَانَ مُنِعَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ جِمَاعِهِنَّ وَإِطْلَاقٍ لِمَا كَانَ حُظِرَ فِي حَالِ الْحَيْضِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، وَقَوْلُهُ {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ، فَإِذَا اغْتَسَلْنَ
عَنِ الْحَسَنِ:"فِي الْحَائِضِ تَرَى الطُّهْرَ، قَالَ: لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ وَتَحِلَّ لَهَا الصَّلَاةُ"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ لِلصَّلَاةِ
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ، مَعْنَى قَوْلِهِ، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}
فَإِذَا اغْتَسَلْنَ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِالْوضُوءِ بِالْمَاءِ طَاهِرًا الطُّهْرَ لِلَّذِي يَحِلُّ لَهَا بِهِ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَخْلُو فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ مِنَ النَّجَاسَةِ فَأْتُوهُنَّ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، فَقَدْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَتَى انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فَجَائِزٌ لِزَوْجِهَا جِمَاعُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ نَجَاسَةٌ ظَاهِرَةٌ، هَذَا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}
جَائِزًا اسْتِعْمَالُهُ فِي التَّطَهُّرِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَلَا أَعْلَمُهُ جَائِزًا إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهِ الْكَلَامِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ لِلصَّلَاةِ فِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِزَوْجِهَا غِشْيَانُهَا بِانْقِطَاعِ دَمِ حَيْضِهَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نَجَاسَةٌ دُونَ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ إِذَا كَانَتْ وَاجِدَتَهُ أَدَلَّ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ الطُّهْرَ الَّذِي يَجْزِيهِنَّ بِهِ الصَّلَاةَ. وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَحِلُّ لَهَا إِلَّا بِالِاغْتِسَالِ أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنِّ غِشْيَانِهَا حَرَامٌ إِلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}
فَإِذَا اغْتَسَلْنَ فَصِرْنَ طَوَاهِرَ الطُّهْرَ الَّذِي يَجْزِيهِنَّ بِهِ الصَّلَاةُ.