يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}
وَاذْكُرُوا أَيْضًا إِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ. وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ: التَّوْرَاةَ، وَبِالْفُرْقَانِ: الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"الْفُرْقَانُ: جِمَاعُ اسْمِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ"
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَمَّا الْفُرْقَانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}
فَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ، يَوْمَ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْقَضَاءُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ: فَكَذَلِكَ أَعْطَى اللَّهُ مُوسَى الْفُرْقَانَ، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَسَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَنْجَاهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ بِالنَّصْرِ، فَكَمَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَالْمُشْرِكِينَ، فَكَذَلِكَ جَعَلَهُ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ، مِنْ أَنَّ الْفُرْقَانَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ آتَاهُ مُوسَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ نَعْتٌ لِلتَّوْرَاةِ وَصِفَةٌ لَهَا. فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ حِينَئِذٍ: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاةَ الَّتِي كَتَبْنَاهَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ، وَفَرَّقْنَا بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. فَيَكُونُ الْكِتَابُ نَعْتًا لِلتَّوْرَاةِ أُقِيمَ مَقَامَهَا اسْتِغْنَاءً بِهِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِالْفُرْقَانِ، إِذْ كَانَ مِنْ نَعْتِهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْكِتَابِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ أَوْلَى بِالْآيَةِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا غَيْرَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ، لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ ذِكْرُ الْكِتَابِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْفُرْقَانِ الْفَصْلُ،
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، فَإِلْحَاقُهُ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ بِصِفَةِ مَا وَلِيَهُ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِصِفَةِ مَا بَعُدَ مِنْهُ
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
فنَظِيرُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
وَمَعْنَاهُ لِتَهْتَدُوا. وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاذْكُرُوا أَيْضًا إِذْ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاةَ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لِتَهْتَدُوا بِهَا وَتَتَّبِعُوا الْحَقَّ الَّذِي فِيهَا لِأَنِّي جَعَلْتُهَا كَذَلِكَ هُدًى لِمَنِ اهْتَدَى بِهَا وَاتَّبَعَ مَا فِيهَا.