فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَضُرِبَتْ}

أَيْ فُرِضَتْ. وَوُضِعَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَأَلْزَمُوهَا؛ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ضَرَبَ الْإِمَامُ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَضَرَبَ الرَّجُلُ عَلَى عَبْدِهِ الْخَرَاجَ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ وَضَعَهُ فَأَلْزَمَهُ إِيَّاهُ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ الْأَمِيرُ عَلَى الْجَيْشِ الْبَعْثَ، يُرَادُ بِهِ أَلْزَمَهُمُوهُ.

وَأَمَّا الذِّلَّةُ، فَهِيَ الْفِعْلَةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ذَلَّ فُلَانٌ يَذِلُّ ذُلًّا وَذِلَّةً. كَالصِّغْرَةِ مِنْ صِغَرِ الْأَمْرِ، وَالْقِعْدَةِ مِنْ قَعَدَ، وَالذِّلَّةُ: هِيَ الصَّغَارُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يُعْطُوهُمْ أَمَانًا عَلَى الْقَرَارِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ بِهِ وَبِرَسُولِهِ إِلَّا أَنْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ عَلَيْهِ لَهُمْ، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}

وَأَمَّا الْمَسْكَنَةُ، فَإِنَّهَا مَصْدَرُ الْمِسْكِينِ، يُقَالُ: مَا فِيهِمْ أَسْكَنُ مِنْ فُلَانٍ وَمَا كَانَ مِسْكِينًا وَلَقَدْ تَمَسْكَنَ مَسْكَنَةً وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ تَمَسْكَنَ تَمَسْكُنًا. وَالْمَسْكَنَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَسْكَنَةُ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ، وَهِيَ خُشُوعُهَا وَذُلُّهَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}

انْصَرَفُوا وَرَجَعُوا، وَلَا يُقَالُ بَاءُوا إِلَّا مَوْصُولًا إِمَّا بِخَيْرٍ وَإِمَّا بِشَرٍّ، يُقَالُ مِنْهُ: بَاءَ فُلَانٌ بِذَنَبِهِ يَبُوءُ بِهِ بَوْءًا وَبَوَاءً. وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}

يَعْنِي: تَنْصَرِفُ مُتَحَمِّلَهُمَا وَتَرْجِعُ بِهِمَا قَدْ صَارَا عَلَيْكَ دُونِي. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَرَجَعُوا مُنْصَرِفِينَ مُتَحَمِّلِينَ غَضَبَ اللَّهِ، قَدْ صَارَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ سَخَطٌ.

وَقَدَّمْنَا مَعْنَى غَضَبِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت