فهرس الكتاب

الصفحة 2522 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) }

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ}

أَكُنْتُمْ، وَلَكِنَّهُ اسْتَفْهَمَ بِ أَمْ إِذْ كَانَ اسْتِفْهَامًا مُسْتَأْنَفًا عَلَى كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ، كَمَا قِيلَ: {الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ اسْتِفْهَامٍ ابْتَدَأَتْهُ بَعْدَ كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ تَسْتَفْهِمُ فِيهِ بِ (أَمْ) ، وَالشُّهَدَاءُ جَمْعُ شَهِيدٍ كَمَا الشُّرَكَاءُ جَمْعُ شَرِيكٍ، وَالْخُصَمَاءُ جَمْعُ خَصِيمٍ. وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: أَكُنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَهُ، حُضُورَ يَعْقُوبَ وَشُهُودَهُ إِذْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، أَيْ أَنَّكُمْ لَمْ تَحْضُرُوا ذَلِكَ. فَلَا تَدَّعُوا عَلَى أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي الْأَبَاطِيلَ، وَتُنْحِلُوهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، فَإِنِّي ابْتَعَثْتُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدَهُ إِسْحَاقَ وَإِسْمَاعِيلَ وَذُرِّيَّتَهُمْ بِالْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَبِذَلِكَ وَصَّوْا بَنِيهِمْ وَبِهِ عَهِدُوا إِلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَلَوْ حَضَرْتُمُوهُمْ فَسَمِعْتُمْ مِنْهُمْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ مَا تَنْحِلُوهُمْ مِنَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ مِنْ بَعْدِهِمْ.

وَهَذِهِ آيَاتٌ نَزَلَتْ تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ يَعْقُوبَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ}

فَتَعْلَمُوا مَا قَالَ لِوَلَدِهِ وَقَالَ لَهُ وَلَدُهُ. ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ مَا قَالَ لَهُمْ وَمَا قَالُوا لَهُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَاءِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ}

إِذْ قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ. وَإِذْ هَذِهِ مُكَرَّرَةٌ إِبْدَالًا مِنْ إِذِ الْأُولَى بِمَعْنَى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ يَعْقُوبَ إِذْ قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ حِينَ حُضُورِ مَوْتِهِ. وَمَعْنِيٌّ بِقَوْلِهِ: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي}

أَيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي، أَيْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِي.

{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ}

يَعْنِي بِهِ: قَالَ بَنَوْهُ لَهُ: نَعْبُدُ معَبُّودَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ، ومعَبُّودُ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا، أَيْ نُخْلِصُ لَهُ الْعِبَادَةَ وَنُوَحِّدُ لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ فَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَلَا نَتَّخِذُ دُونَهُ رَبًّا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}

وَنَحْنُ لَهُ خَاضِعُونَ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}

أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْحَالِ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: نَعْبُدُ إِلَهِكَ مُسْلِمَيْنَ لَهُ بِطَاعَتِنَا وَعِبَادَتِنَا إِيَّاهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا، فَيَكُونُ بِمَعْنَى: نَعْبُدُ إِلَهِكَ بَعْدَكَ، وَنَحْنُ لَهُ الْآنَ وَفِي كُلِّ حَالٍ مُسْلِمُونَ. وَأَحْسَنُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْحَالِ، وَأَنْ يَكُونُ بِمَعْنَى: نَعْبُدُ إِلَهِكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ مُسْلِمَيْنَ لِعِبَادَتِهِ.

وَقِيلَ: إِنَّمَا قُدِّمَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْحَاقَ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ أَسَنَّ مِنْ إِسْحَاقَ.

وَقَرَأَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ: وَإِلَهَ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ إِذْ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ تُرْجِمَ بِهِ عَنِ الْآبَاءِ وَدَاخِلًا فِي عِدَادِهِمْ. وَذَلِكَ مِنْ قَارِئِهِ كَذَلِكَ قِلَّةُ عِلْمٍ مِنْهُ بِمَجَارِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَالْعَرَبُ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ أَنْ تَجْعَلَ الْأَعْمَامَ بِمَعْنَى الْآبَاءِ، وَالْأَخْوَالَ بِمَعْنَى الْأُمَّهَاتِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَ إِسْمَاعِيلُ فِيمَنْ تُرْجِمَ بِهِ عَنِ الْآبَاءِ. وَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ تَرْجَمَةٌ عَنِ الْآبَاءِ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، وَلَكِنَّهُمْ نُصِبُوا بِأَنَّهُمْ لَا يُجَرُّونَ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ: {وَإِلَهَ آبَائِكَ}

لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِ ذَلِكَ وَشُذُوذِ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْقُرَّاءِ مِمَّنْ قَرَأَ خِلَافَ ذَلِكَ، وَنَصَبَ قَوْلَهُ إِلَهًا عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ إِلَهِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت