الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}
الْقُرْآنَ. وَنَصَبَ مُصَدِّقًا عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} . فَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى قَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْقُرْآنِ، يَعْنِي بِذَلِكَ مُصَدِّقًا لِمَا سَلَفَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ أَمَامَهُ، وَنَزَلَتْ عَلَى رُسُلِهِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقُهُ إِيَّاهَا مُوَافَقَةُ مَعَانِيهِ مَعَانِيهَا فِي الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهِيَ تُصَدِّقُهُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} "
يَقُولُ: لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَالْآيَاتِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِالْآيَاتِ نَحْوَ مُوسَى وَنُوحٍ وَهُودٍ وَشُعَيْبٍ وَصَالِحٍ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنَ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَهُدًى}
وَدَلِيلٌ وَبُرْهَانٌ.
وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُدًى لِاهْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَاهْتِدَاؤُهُ بِهِ اتِّخَاذُهُ إِيَّاهُ هَادِيًا يَتْبَعُهُ وَقَائِدًا يَنْقَادُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ. وَالْهَادِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَا تَقَدَّمَ أَمَامَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِأَوَائِلِ الْخَيْلِ: هَوَادِيهَا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ أَمَامَهَا، وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْعُنُقِ: الْهَادِي، لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ سَائِرِ الْجَسَدِ.
وَأَمَّا الْبُشْرَى فَإِنَّهَا الْبِشَارَةُ. أَخْبَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَهُمْ بُشْرَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي جَنَّاتِهِ، وَمَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ فِي مَعَادِهِمْ مِنْ ثَوَابِهِ. وَذَلِكَ هُوَ الْبُشْرَى الَّتِي بَشَّرَ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِهِ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هِيَ إِعْلَامُ الرَّجُلِ بِمَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَالِمًا مِمَّا يَسُرُّهُ مِنَ الْخَيْرِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يَعْلَمَهُ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلٌ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قُلْنَاهُ.