فهرس الكتاب

الصفحة 4696 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208)}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السَّلَمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: الْإِسْلَامُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ: (ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ) بِفَتْحِ السِّينِ.

وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ بِكَسْرِ السِّينِ. فَأَمَّا الَّذِينَ فَتَحُوا السِّينَ مِنَ «السَّلْمِ» ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهَا إِلَى الْمُسَالَمَةِ، بِمَعْنَى: ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ وَالْمُسَاوَمَةِ وَتَرْكِ الْحَرْبِ وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ.

وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالْكَسْرِ مِنَ السِّينِ فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، بِمَعْنَى ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الصُّلْحِ، بِمَعْنَى: ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى أَنَّ السِّينَ تُكْسَرُ، وَهِيَ بِمَعْنَى الصُّلْحِ بِقَوْلِ زُهَيْرِ ابْنِ أَبِي سُلْمَى:

[البحر الطويل]

وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ نَسْلَمِ

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِهِ: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}

قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الصُّلْحِ، فَإِنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ: وَدَوَامِ الْأَمْرِ الصَّالِحِ عِنْدَ الْعَرَبِ أَغْلَبُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ، وَالْمُسَالَمَةِ، وَيُنْشِدُ بَيْتَ أَخِي كِنْدَةَ:

[البحر الوافر]

دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ ... لَمَّا رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا

بِكَسْرِ السِّينِ، بِمَعْنَى: دَعْوَتَهُمْ لِلْإِسْلَامِ لَمَّا ارْتَدُّوا، وَكَانَ ذَلِكَ حِينَ ارْتَدَّتْ كِنْدَةُ مَعَ الْأَشْعَثِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ كَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، يَقْرَأُ سَائِرَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ (السَّلْمِ) بِالْفَتْحِ سِوَى هَذِهِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَخُصُّهَا بِكَسْرِ سِينِهَا تَوْجِيهًا مِنْهُ لِمَعْنَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ دُونَ مَا سِوَاهَا.

وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}

وَصَرَفْنَا مَعْنَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْآيَةَ مُخَاطَبٌ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَلَنْ يَعْدُوَ الْخِطَابُ إِذْ كَانَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ: ادْخُلُوا فِي صُلْحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُسَالَمَتِهِمْ، لِأَنَّ الْمُسَالَمَةَ، وَالْمُصَالَحَةَ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ كَانَ حَرْبًا بِتَرْكِ الْحَرْبِ. فَأَمَّا الْمَوَالِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: صَالِحْ فُلَانًا، وَلَا حَرْبَ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَدَاوَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت