فهرس الكتاب

الصفحة 4707 من 6201

أَوْ يَكُونَ خِطَابًا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُصَدِّقِينَ بِهِمْ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْمُنْكِرِينَ مُحَمَّدًا، وَنُبُوَّتَهُ، فَقِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ؛ يَعْنِي بِهِ الْإِسْلَامَ لَا الصُّلْحَ. لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ دَعَاهُمْ دُونَ الْمُسَالَمَةِ، وَالْمُصَالَحَةِ؛ بَلْ نَهَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ}

وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ فصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بَعْضِ الْأَحْوَالِ إِذَا دَعُوهُ إِلَى الصُّلْحِ ابْتِدَاءَ الْمُصَالَحَةِ، فَقَالَ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}

فَأَمَّا دُعَاؤُهُمْ إِلَى الصُّلْحِ ابْتِدَاءً فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْقُرْآنِ، فَيَجُوزُ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}

إِلَى ذَلِكَ.

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَأَيُّ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ دُعِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ كَافَّةً؟

قِيلَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دُعِيَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا جَاءَ بِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: قِيلَ: دُعِيَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ. فَإِنْ قَالَ: فَمَا وَجْهُ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ؟

قِيلَ: وَجْهُ دُعَائِهِ إِلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ لَهُ بِالْعَمَلِ بِجَمِيعِ شَرَائِعِهِ، وَإِقَامَةِ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَحُدُودِهِ، دُونَ تَضْيِيعِ بَعْضِهِ وَالْعَمَلِ بِبَعْضِهِ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ قَوْلُهُ {كَافَّةً}

مِنْ صِفَةِ السَّلْمِ، وَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ: ادْخُلُوا فِي الْعَمَلِ بِجَمِيعِ مَعَانِي السَّلْمِ، وَلَا تُضَيِّعُوا شَيْئًا مِنْهُ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ وَمَا جَاءَ بِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْفَرِيقُ الَّذِي دُعِيَ إِلَى السِّلْمِ فَقِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا فِيهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، أُمِرُوا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالدُّخُولِ فِي الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا الْمُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَالْمُصَدِّقُونَ بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالرُّسُلِ، وَمَا جَاءُوا بِهِ، وَقَدْ دَعَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ إِلَى الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَحُدُودِهِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى فَرَائِضِهِ الَّتِي فَرَضَهَا، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَضْيِيعِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَالْآيَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ شَمَلَهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِ بَعْضٍ بِهَا دُونَ بَعْضٍ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَافَّةً}

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ {كَافَّةً}

عَامَّةً جَمِيعًا.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:" {كَافَّةً} "

جَمِيعًا، وَقَرَأَ.

{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُوكُمْ كَافَّةً}

جَمِيعًا""

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ. بِذَلِكَ: اعْمَلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، وَادْخُلُوا فِي التَّصْدِيقِ بِهِ قَوْلًا، وَعَمَلًا، وَدَعُوا طَرَائِقَ الشَّيْطَانِ، وَآثَارَهُ أَنْ تَتَّبِعُوهَا فَإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ لَكُمْ عَدَاوَتَهُ.

وَطَرِيقُ الشَّيْطَانِ الَّذِي نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوهَ هُوَ مَا خَالَفَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَشَرَائِعَهُ، وَمِنْهُ تَسْبِيتُ السَّبْتِ وَسَائِرَ سُنَنِ أَهْلِ الْمِلَلِ الَّتِي تُخَالِفُ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ.

وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْخُطُواتِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى، فَكَرِهْتُ إِعَادَتَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت