فهرس الكتاب

الصفحة 6009 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَتِّعُوهُنَّ}

وَأَعْطُوهُنَّ مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ عَلَى أَقْدَارِكُمْ وَمَنَازِلِكُمْ مِنَ الْغِنَى، وَالْإِقْتَارِ

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَبْلَغِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الرِّجَالَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَعْلَاهُ الْخَادِمُ، وَدُونَ ذَلِكَ الْوَرِقُ، وَدُونَهُ الْكِسْوَةُ.

عَنْ قَتَادَةَ:" {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} "

حَتَّى بَلَغَ: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}

فَهَذَا فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَلَا يُسَمِّي لَهَا صَدَاقًا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلَهَا مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا فَرِيضَةَ لَهَا. وَكَانَ يُقَالُ: إِذَا كَانَ وَاجِدًا فَلَا بُدَّ مِنْ مِئْزَرٍ، وَجِلْبَابٍ، وَدِرْعٍ، وَخِمَارٍ""

وسُئِلَ عَامِرٌ:"بِكَمْ يُمَتِّعُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ؟ قَالَ: عَلَى قَدْرِ مَالِهِ".

وَقَالَ آخَرُونَ: مَبْلَغُ ذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ قَدْرُ نِصْفِ صَدَاقِ مِثْلِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمَنْكُوحَةِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ مُسَمًّى فِي عَقْدِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ عُسْرِهِ، وَيُسْرِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}

لَا عَلَى قَدْرِ الْمَرْأَةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لِلْمَرْأَةِ عَلَى قَدْرِ صَدَاقِ مِثْلِهَا إِلَى قَدْرِ نِصْفِهِ لَمْ يَكُنْ لِقِيلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ}

مَعْنًى مَفْهُومٌ، وَلَكَانَ الْكَلَامُ: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى قَدْرِهِنَّ وَقَدْرِ نِصْفِ صَدَاقِ أَمْثَالِهِنَّ. وَفِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الرَّجُلِ فِي عُسْرِهِ، وَيُسْرِهِ، لَا عَلَى قَدْرِهِ، وَقَدْرِ نِصْفِ صَدَاقِ مِثْلِهَا مَا يُبِينُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ مَا خَالَفَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ يَكُونُ صَدَاقُ مِثْلِهَا الْمَالَ الْعَظِيمَ، وَالرَّجُلُ فِي حَالِ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا مُقْتِرٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ نِصْفِ صَدَاقِ مِثْلِهَا أُلْزِمَ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ بَعْضُ مِنْ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ؟ وَإِذَا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ، كَانَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ قَدْ تَعَدَّى حُكْمَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهَ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}

وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ عُسْرِ الرَّجُلِ، وَيُسْرِهِ، لَا يُجَاوَزُ بِذَلِكَ خَادِمٌ أَوْ قِيمَتُهَا، إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِعًا، وَإِنْ كَانَ مُقْتِرًا فَأَطَاقَ أَدْنَى مَا يَكُونُ كِسْوَةً لَهَا، وَذَلِكَ ثَلَاثُ أَثْوَابٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ فَعَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ إِلَيْهِ فِيهِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَمَتِّعُوهُنَّ}

هَلْ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ يُقْضَى بِالْمُتْعَةِ فِي مَالِ الْمُطَلِّقِ، كَمَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِسَائِرِ الدُّيُونِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَقَالُوا: ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ كَائِنَةً مَنْ كَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ.

عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ، وَأَبُو الْعَالِيَةَ، يَقَوْلَانِ: «لِكُلِّ مُطْلَقَةٍ مَتَاعٌ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَضَ لَهَا»

وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُتْعَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِهَا وَاجِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا وَاجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ سِوَى الْمُطَلَّقَةِ الْمَفْرُوضِ لَهَا الصَّدَاقُ.

فَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ الْمَفْرُوضُ لَهَا الصَّدَاقُ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَإِنَّهَا لَا مُتْعَةَ لَهَا، وَإِنَّمَا لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ الْمُسمَّى

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ،"فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَقَدْ فَرَضَ لَهَا، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَتَاعِ: قَدْ كَانَ لَهَا الْمَتَاعُ فِي الْآيَةِ الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، جَعَلَ لَهَا النِّصْفَ مِنْ صَدَاقِهَا إِذَا سُمَّى، وَلَا مَتَاعَ لَهَا، وَإِذَا لَمْ يُسَمِّ فَلَهَا الْمَتَاعُ"

وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُتْعَةُ حَقٌّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، غَيْرَ أَنَّ مِنْهَا مَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُطَلِّقِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إِعْطَاؤُهَا

عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:"مُتْعَتَانِ: إِحْدَاهُمَا يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ، وَالْأُخْرَى حَقٌّ عَلَى الْمُتَّقِينَ: مَنْ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ، وَيَدْخُلَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ لَا صَدَاقَ عَلَيْهِ، وَمَنْ طَلَّقَ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ، أَوْ يَفْرِضُ فَالْمُتْعَةُ حَقٌّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت