فهرس الكتاب

الصفحة 3704 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ}

لَا تُجَامِعُوا نِسَاءَكُمْ، وَبِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}

يَقُولُ: فِي حَالِ عُكُوفِكُمْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَتِلْكَ حَالُ حَبْسِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَى عُبَادَةِ اللَّهِ فِي مَسَاجِدِهِمْ. وَالْعُكُوفُ أَصْلُهُ الْمُقَامُ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَى الشَّيْءِ، كَمَا قَالَ الطِّرِمَّاحُ بْنُ حَكِيمٍ:

[البحر الطويل]

فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفًا ... عُكُوفَ الْبَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ عُكَّفًا: مُقِيمَةً. وَكَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:

[البحر الطويل]

تَرَى حَوْلَهُنَّ الْمُعْتَفِينَ كَأَنَّهُمْ ... عَلَى صَنَمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ الْجِمَاعُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي الْمُبَاشَرَةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِي الْمُبَاشَرَةِ مَنْ لَمْسٍ، وَقِبْلَةٍ، وَجِمَاعٍ.

وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَمَّ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ فَذَلِكَ عَلَى مَا عَمَّهُ حَتَّى تَأْتِيَ حُجَّةٌ يَجِبٌ التَّسْلِيمٌ لَهَا بِأَنَّهُ عَنَى بِهِ مُبَاشَرَةً دُونَ مُبَاشَرَةٍ.

وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ الْجِمَاعُ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَ الْجِمَاعِ مِمَّا أَوْجَبَ غُسْلًا إِيجَابَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَحَدُ قَوْلَيْنِ: أَمَّا مَنْ جَعَلَ حُكْمَ الْآيَةِ عَامًّا، أَوْ جَعَلَ حُكْمَهَا فِي خَاصٍّ مِنْ مَعَانِي الْمُبَاشَرَةِ. وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نِسَاءَهُ كُنَّ يُرَجِّلْنَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ، عُلِمَ أَنَّ الَّذِي عُنِيَ بِهِ مِنْ مَعَانِي الْمُبَاشَرَةِ الْبَعْضُ دُونَ الْجَمِيعِ.

وعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ»

فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَسْلِ عَائِشَةَ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}

غَيْرُ جَمِيعِ مَا لَزِمَهُ اسْمُ الْمُبَاشَرَةِ وَأَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ الْبَعْضُ مِنْ مَعَانِي الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْجَمِيعِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مُجْمَعًا عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ مِمَّا عُنِيَ بِهِ، كَانَ وَاجِبًا تَحْرِيمُ الْجِمَاعِ عَلَى الْمُعْتَكِفِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَذَلِكَ كُلُّ مَا قَامَ فِي الِالْتِذَاذِ مَقَامَهُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي بَيَّنْتُهَا مِنَ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالْجِمَاعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا فِي غَيْرِ عُذْرٍ، وَجِمَاعِ النِّسَاءِ فِي الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ. يَقُولُ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ حَدَّدْتُهَا لَكُمْ، وَأَمَرْتُكُمْ أَنْ تَجْتَنِبُوهَا فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَجْتَنِبُوهَا وَحَرَّمْتُهَا فِيهَا عَلَيْكُمْ، فَلَا تَقْرَبُوهَا وَابْعُدُوا مِنْهَا أَنْ تَرْكَبُوهَا، فَتَسْتَحِقُّوا بِهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ تَعَدَّى حُدُودِي وَخَالَفَ أَمْرِي وَرَكِبَ مَعَاصِيَّ.

وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَقُولُ: حُدُودُ اللَّهِ: شُرُوطُهُ. وَذَلِكَ مَعْنًى قَرِيبٌ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا، غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدَّ كُلِّ شَيْءٍ مَا حَصَرَهُ مِنَ الْمَعَانِي وَمَيَّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}

مِنْ ذَلِكَ، يَعْنِي بِهِ الْمَحَارِمَ الَّتِي مَيَّزَهَا مِنَ الْحَلَالِ الْمُطْلَقِ فَحَدَّدَهَا بِنُعُوتِهَا وَصِفَاتِهَا وَعَرَّفَهَا عِبَادَهُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُدُودُ اللَّهِ: مَعَاصِيهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: كَمَا بَيَّنْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَاجِبَ فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ مِنَ الصَّوْمِ، وَعَرَّفْتُكُمْ حُدُودَهُ، وَأَوْقَاتَهُ، وَمَا عَلَيْكُمْ مِنْهُ فِي الْحَضَرِ، وَمَا لَكُمْ فِيهِ فِي السَّفَرِ، وَالْمَرَضِ، وَمَا اللَّازِمُ لَكُمْ تَجَنُّبُهُ فِي حَالِ اعْتِكَافِكُمْ فِي مَسَاجِدِكُمْ، فَأَوْضَحْتُ جَمِيعَ ذَلِكَ لَكُمْ، فَكَذَلِكَ أُبَيِّنُ أَحْكَامِي، وَحَلَالِي، وَحَرَامِي، وَحُدُودِي، وَأَمْرِي، وَنَهْيِي فِي كِتَابِي، وَتَنْزِيلِي، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ. ويعني بِقَوْلِهِ: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}

يَقُولُ: أُبَيِّنُ ذَلِكَ لَهُمْ لِيَتَّقُوا مَحَارِمِي، وَمَعَاصِيَّ، وَيَتَجَنَّبُوا سَخَطِي، وَغَضَبِي بِتَرْكِهِمْ رُكُوبَ مَا أُبَيِّنُ لَهُمْ فِي آيَاتِي أَنِّي قَدْ حَرَّمْتُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِهَجْرِهِ وَتَرْكِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت