يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: افْعَلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فِي حَجِّكُمْ مِنْ إِتْمَامِ مَنَاسِكَكُمْ فِيهِ، وَأَدَاءِ فَرْضِكُمُ الْوَاجِبِ عَلَيْكُمْ فِي إِحْرَامِكُمْ، وَتَجَنُّبِ مَا أَمَرْتُكُمْ بِتَجَنُّبِهِ مِنَ الرَّفَثِ، وَالْفُسُوقِ فِي حَجِّكُمْ لِتَسْتَوْجِبُوا بِهِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، فَإِنَّكُمْ مَهْمَا تَفْعَلُوا مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ خَيْرٍ وَعَمِلَ صَالِحٍ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي وَطَلَبَ ثَوَابِي، فَأَنَا بِهِ عَالِمٌ وَلِجَمِيعِهِ مُحْصٍ حَتَّى أُوَفِّيَكُمْ أَجْرَهُ، وَأُجَازِيَكُمْ عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَا تَخْفَى عَلَيَّ خَافِيَةٌ وَلَا يَنْكَتِمُ عَنِّي مَا أَرَدْتُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، لِأَنِّي مُطَّلِعٌ عَلَى سَرَائِرِكُمْ وَعَالِمٌ بِضَمَائِرِ نُفُوسِكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}
ذِكْرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا أَحْرَمَ رَمَى بِمَا مَعَهُ مِنَ الزَّادِ وَاسْتَأْنَفَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَزْوِدَةِ فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَتَزَوَّدُ مِنْهُمْ بِالتَّزَوُّدِ لِسَفَرِهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ذَا زَادٍ أَنْ يَحْتَفِظَ بِزَادِهِ فَلَا يَرْمِي بِهِ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا وَمَعَهُمْ أَزْوِدَةٌ رَمَوْا بِهَا وَاسْتَأْنَفُوا زَادًا آخَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} "
فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا أَنْ يَتَزَوَّدُوا الْكَعْكَ، وَالدَّقِيقَ، وَالسَّوِيقَ""
وعَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:"كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ: نَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} "
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: فَمَنْ فَرَضَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ الْحَجَّ فَأَحْرَمَ فِيهِنَّ فَلَا يَرْفُثَنَّ، وَلَا يَفْسُقَنَّ، فَإِنَّ أَمْرَ الْحَجِّ قَدِ اسْتَقَامَ لَكُمْ، وَعَرَّفَكُمْ رَبُّكُمْ مِيقَاتَهُ، وَحُدُودَهُ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ حَجِّكُمْ، وَمَنَاسِكِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مَهْمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أَمَرَكُمْ بِهِ أَوْ نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ يَعْلَمُهُ. وَتَزَوَّدُوا مِنْ أَقْوَاتِكُمْ مَا فِيهِ بَلَاغُكُمْ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ وَمَنَاسِكِكُمْ، فَإِنَّهُ لَا بِرُّ لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَرْكِكُمُ التَّزَوُّدَ لِأَنْفُسِكُمْ وَمَسْأَلَتِكُمُ النَّاسَ وَلَا فِي تَضْيِيعِ أَقْوَاتِكُمْ وَإِفْسَادِهَا، وَلَكِنَّ الْبِرَّ فِي تَقْوَى رَبِّكُمْ بِاجْتِنَابِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي سَفَرِكُمْ لِحَجِّكُمْ وَفِعْلِ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ خَيْرُ التَّزَوُّدِ، فَمِنْهُ تَزَوَّدُوا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاتَّقُونِ يَا أَهْلَ الْعُقُولِ، وَالْأَفْهَامِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِي عَلَيْكُمُ الَّتِي أَوْجَبْتُهَا عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ، وَمَنَاسِكِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ دِينِي الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ، وَخَافُوا عِقَابِي بِاجْتِنَابِ مَحَارِمِي الَّتِي حَرَّمْتُهَا عَلَيْكُمْ؛ تَنْجُوا بِذَلِكَ مِمَّا تَخَافُونَ مِنْ غَضَبِي عَلَيْكُمْ، وَعِقَابِي، وَتُدْرِكُوا مَا تَطْلُبُونَ مِنَ الْفَوْزِ بِجَنَّاتِي. وَخَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْخِطَابِ بِذَلِكَ أُولِي الْأَلْبَابِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَهْلُ الْفِكْرِ الصَّحِيحِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي بِالْعُقُولِ تُدْرَكُ وَبْالْأَلْبَابِ تُفْهَمُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ فِي الْخِطَابِ بِذَلِكَ حَظًّا، إِذْ كَانُوا أَشْبَاحًا كَالْأَنْعَامِ، وَصِوَرًا كَالْبَهَائِمِ، بَلْ هُمْ مِنْهَا أَضَلُّ سَبِيلًا. وَالْأَلْبَابُ: جَمْعُ لُبٍّ، وَهُوَ الْعَقْلُ.