فهرس الكتاب

الصفحة 4762 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) }

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْأُمَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَفِي النَّاسِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ آدَمَ، وَنُوحٍ، وَهُمْ عَشْرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ مِنَ الْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ

عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ:" {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} "

قَالَ: كَانُوا عَلَى الْهُدَى جَمِيعًا، فَاخْتَلَفُوا {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}

فَكَانَ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعِثَ نُوحٌ""

فَتَأْوِيلُ الْأُمَّةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الدِّينُ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ:

[البحر الطويل]

حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ

يَعْنِي ذَا الدِّينَ. فَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً مُجْتَمِعَةً عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَدِينٍ وَاحِدٍ، فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَأَصْلُ الْأُمَّةِ الْجَمَاعَةُ، تَجْتَمِعُ عَلَى دَيْنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يُكْتَفَى بِالْخَبَرِ عَنِ الْأُمَّةِ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الدِّينِ لِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}

يُرَادُ بِهِ أَهْلُ دَيْنٍ وَاحِدٍ، وَمِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. فَوَجَّهَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهِ قَوْلَهُ:" {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} "

إِلَى أَنَّ النَّاسَ كَانُوا أَهْلَ دِينٍ وَاحِدٍ حَتَّى اخْتَلَفُوا""

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ كَانَ آدَمُ عَلَى الْحَقِّ إِمَامًا لِذُرِّيَّتِهِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ فِي وَلَدِهِ وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْأُمَّةَ إِلَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ {أُمَّةً}

إِمَامًا فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِ، وَيُتَّ‍بَعُ عَلَيْهِ

عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ:" {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} "

قَالَ: آدَمُ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ، وَنُوحٍ عَشْرَةُ أَنْبِيَاءَ، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} ، قَالَ مُجَاهِدٌ: آدَمُ أُمَّةٌ وَحْدَهُ""

وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ اسْتَجَازَ بِتَسْمِيَةِ الْوَاحِدِ بِاسْمِ الْجَمَاعَةِ لِاجْتِمَاعِ أَخْلَاقِ الْخَيْرِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَمَاعَةِ الْمُفَرَّقَةِ فِيمَنْ سَمَّاهُ بِالْأُمَّةِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ أُمَّةٌ وَحْدَهُ، يَقُولُ مَقَامَ الْأُمَّةِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمَّاهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِاجْتِمَاعِ الْأَسْبَابِ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَخْلَاقِ الْخَيْرِ، فَلَمَّا كَانَ آدَمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَبًا لِاجْتِمَاعِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَى دِينِهِ مِنْ وَلَدِهِ إِلَى حَالِ اخْتِلَافِهِمْ سَمَّاهُ بِذَلِكَ أُمَّةً.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى دَيْنٍ وَاحِدٍ يَوْمَ اسْتُخْرِجَ ذُرِّيَّةُ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ، فَعَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:"كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً حَيْثُ عُرِضُوا عَلَى آدَمَ فَفَطَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمَيْنِ كُلُّهُمْ."

ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ آدَمَ، فَكَانَ أُبَيِّ يَقْرَأُ: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) إِلَى «فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» وَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ""

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:" {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} "

قَالَ: حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطُّ غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، قَالَ: هَذَا حِينَ تَفَرَّقَتِ الْأُمَمُ""

وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نَظِيرُ تَأْوِيلِ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ فِيمَا بَيْنَ آدَمَ، وَنُوحٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهُ هُنَالِكَ؛ إِلَّا أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي كَانَ فِيهِ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً مُخَالِفٌ الْوَقْتَ الَّذِي وَقَّتَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ آخَرُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}

عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت